أنيس الغريب، وجليس الأريب ... للشيخ اطفيش دراسة وتحقيق
الجزء ١ · صفحة ٣٤والتجديد، بل إنه عده جهادًا فى سبيل الله، ووسيلة لإنقاذ الإسلام والمسلمين من براثن الاستعمار، لذلك جعل التدريس رسالته في الحياة، وكرّس حياته من أجل تبليغها بدأ الشيخ في التدريس وهو لم
يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وجعل بيته معهدًا يقصده طلبة العلم من كل مكان في وادي ميزاب واستمر يُغذِّي عقول طلبته من فيض علمه الموسوعي حتى آخر عمره، ولم يقتصر تدريسه على مكان بعينه، بل كان يُدرّس في كل مكان يكون فيه، فدرس مُقِيمًا ومسافرًا. ولما بلغ الشيخ اطفيش العشرين من عمره، فتح معهدًا للتدريس في بيته، فكان أول معهد أنشئ في وادي ميزاب، تُدرس فيه جميع العلوم والفنون وقد حرص على استغلال وقت التدريس فوضع له منهجًا غَدًا معروفًا لدى الجميع من ميزاب وخارجها، فقد كان يبدأ مباشرة بعد صلاة الفجر بالدرس لعامة الناس في المسجد، ثم يُدرّس طلبته من الضحى إلى أول الزوال في حلقات، ويجلس بعد صلاة العصر للإفتاء، أما الليل فقد خصص جزءه الأكبر للتأليف وإعداد الدروس، وهكذا هو الحال في جميع أيام الأسبوع عدا يوم الجمعة. واعتمد الشيخ في التدريس سُلَّمًا في ترتيب العلوم حسب أولويتها، فيبدأ بالعلوم الدينية مثل التوحيد والفقه والحديث وأدب العلم، وغيرها، ثم علوم اللغة. وكان من شروط قبول الطلبة في معهده، حفظ القرآن الكريم، والإلمام ببعض مبادئ العلوم، وحفظ عدد من متون العلم المختلفة. وعُرِف عن الشيخ عنايته الفائقة بطلبته وحرصه الشديد على التحقق من فهمهم للمسائل، وقد يُعيد شرح المسألة الواحدة مرات عدة حتى يفهمها التلميذ وتترسّخ في ذهنه، وكان مخلصا الله تعالى في عمله، متفانيًا في العلم، غزير المادة، طويل النفس، متواضعًا لتلامذته، وكان رؤوفًا رحيما بهم، فإذا رأى منهم تعبًا روح عنهم بما يدفعهم إلى النشاط والتركيز، وكان يولي تساؤلاتهم اهتمامًا بالغًا، فيكتبها ويُحققها لهم بالبحث والتقصي والرجوع إلى أمهات الكتب، والمصادر المختلفة حتى لو كان ذلك أثناء الدرس. وقد يستعين في توضيح المسائل لعامة الناس بلغة أهل ميزاب.
20