الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢١٨218
الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
له الأسود بن سريع، وكان يقصُّ في مؤخر المسجد، جاء في الرواية، أنه قص مرة في مسجد البصرة، فعلت أصواتهم يومًا، فاشْتَهَرَهُم أهل مقدم المسجد، فأقبل مجالد بن مسعود السلمي حتى قام عليهم فوسعوا له، فقال: ما جئت لأجلس، وإن كنتم جُلَسَاء صدق، ولكن علت أصواتكم، فَاشْتَهَرَكُم أهل المسجد، وإيَّاكم وما أنكر المسلمون، رحمكم الله، قالوا رحمك الله نقبل نصيحتك (1).
وقد عظمت المفاخرة بين البصرة والكوفة، وبلغت مدى بعيدًا، ومن بين تلك المفاخرات ما نقل بعضهم قال: اجتمع عند أبي العباس أمير المؤمنين عِدة من بني عليّ، وعِدَّة من بني العباس، وفيهم بصريون وكوفيون، منهم أبو بكر الهذلي وكان بصريًّا، وابن عيّاش وكان كوفيا، فقال أبو العباس: تناظروا حتى نعرف لمن الفضل منكم. قال بعض بني عليّ: إن أهل البصرة قاتلوا عليا يوم الجمل، وشقوا عصا المسلمين. قال أبو العباس: ما تقول يا أبا بكر؟ قال: معاذ الله أن يجهل أهل البصرة، إنما كانت شرذمة منها شدّت عن سبل المنهج، واستحوذ عليها الشيطان، وفي كلّ قوم صالح، وطالح، فأما أهل البصرة فهم أكثر أموالا وأولادًا، وأطوع للسلطان، وأعْرَف برسوم الإسلام. قال ابن عياش نحن أعلم بالفتوح منكم نحن نفينا كسرى عن البلاد، وأبرنا جنوده، وأبحنا ملكه، وفتحنا الأقاليم، وإنما البصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد، ينتهي إليها الماء بعد تغييره وفساده، مضغوطة قبل ظهرها بأخشن أحجار الحجاز، وأقلها خيرًا، مضغوطة من فوقها ببطيحتها، وإن كانوا يستعذبون ماءهم، ولولا ذلك ما انتفعوا بالعيش، ومضغوطة بالبحر الأخضر من أسفلها، ونحن قللناهم على وجه المعزاء، وبعثنا إليهم من جندنا ما كان منه قوامهم، وإنما أهل البصرة بمنزلة الرسل لنا، ومحلّ الكوفة محلّ اللهوات واللسان من الجسد، وموضعها على صدور الأرضين ينتهي إليها الماء ببرده و عذوبته، ويتفرق في بلادنا، ويجوز بالعذبة الزَّكيَّة الفرات ودجلة، والبصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد. قال أبو بكر: أنتم مع ما وصفت أكثر أنبياء وما لنا إلّا نبي واحد، وهو مُحمَّد صلى الله عليه، وعامة أنبيائكم الحَاكَة. فضحك أبو العباس حتى كاد
(1) الزهد والرقائق لابن المبارك رقم (663): 232.