الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧١الباب الثالث: في براهين الإيمان
271
وهذه حجج لا تدفعها الشبه؛ لأنها قائمة على براهين العقل الصحيح والتجربة العلمية الثابتة فلا يمكن أن تدحضها نظريات جدلية عقيمة لم تقم على أساس من براهين العقل ولا تجارب العلم، وإنما كان الدافع إليها ما في النفوس من العقد النفسية من عقائد الدين وقد تصور هؤلاء الحمقى أن الإيمان بالله يتنافى مع حقائق العلم، ولم يصلوا إلى إدراك أن كل حقيقة علمية ناشئة عن تجربة صادقة سليمة، هي صيحة إيمانية داعية إلى الإيمان بالله وبما أنزل من الحق ولكن ماذا عسى أن يقال في قوم نادى نداء الحق بشهادة من برأهم أنهم عطلوا جميع مداركهم، وتجاهلوا كل ما تنطوي عليه فطرهم، فغدوا أحط قدرًا من الأنعام، وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ مَاذَانُ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أَوَلَيْكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَيكَ هُمُ الْغَفِلُونَ} [الأعراف: 179].
وإن تعجب فاعجب من قوم يدعون العلم وهم يجحدون براهينه ويعطلون نتائجه، فهل يعقل أن تسلسل هذه الحلقات من الأسباب آخذا بعضها بحجزة بعض في نظام رتيب، من غير نشاز ولا تباين حتى تفضي إلى مسبباتها، من غير أن يكون وراء ذلك من هو خبير بهذه الأسباب أحاط بها علما، ورتبها وفق إرادته الحكيمة، وبمقتضى قدرته الواسعة فتسلسلت حتى وصلت إلى نتائجها، وهذا ما نجده في كل ذرة في الكون، وكل حركة في الوجود، فإنها جاءت على قدر وفق حكمة بالغة، وفي تسلسل متقن لأسبابها، فكيف يصدق أن تكون ناتجة عن طفرات عشوائية، ولا يصدق أن
تكون من صنع عليم حكيم يعلم من خلقه السر وأخفى؟!.