السيرة الزكية للمرأة الإباضية بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية

السيرة الزكية للمرأة الإباضية لبدرية الشقصية

الجزء ١ · صفحة ٣٠

إنه ليحق للمرء أن يقف إجلالاً وإكباراً لمثل هذه المرأة، فقد أوتيت من ثبات الجنان وفصاحة اللسان وصدع بالحق في وجوه الطغاة الفاجرين، ما حق لها أن يسطر اسمها بأحرف من نور، ولقد قامت بما يعجز عنه كثير من فحول الأبطال، والمتأمل لحوارها مع الطاغية عبيد الله بن زياد يلاحظ عليها رباطة جأشها ورغبتها في تحقيق أعظم الجهاد امتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)، كان هدفها هو نيل وسام الشهادة، الشهادة التي ليس لها جزاء إلا الجنة وتحقق الهدف، وكان لها ذكر عند أهل السماء، ودون التاريخ موقفها في أروح صفحاته وظل ذكراها عند أهل الأرض، وكأنها صورة واحدة تتكرر فبالأمس القريب كانت أختها على درب الجهاد أم عمار سمية بنت خياط تفيض روحها إلى بارئها على يد فرعون هذه الأمة أبي جهل لعنه الله حينما طعنها بحربة في فرجها، وهذه وتلك سارتا على شغاف قلبها، فضحت في سبيله بما يراه الناس جاهاً ونعيماً وسعادة؛ فما كان من فرعون حين يأس منها أن ترجع عن إسلامها وتتخلى عما آمنت به إلا أن نصب لها الأوتاد وأذاقها صنوف العذاب فما تراجعت لحظة عن إيمانها، وما شكت في سلامة معتقدها، حتى لقيت الله عز وجل وهو راضٍ عنها، فكان لها الثواب الأكبر في الآخرة والثناء العظيم في الدنيا حين أثنى الله عز وجل في كتابه الذي يتلى آناء الليل وأطراف النهار وكفى بالله ذاكرا، فما أشبه هذه بتلك، وما أشبه اليوم بالبارحة، وهذا شأن الطواغيت والجبابرة في كل عصر، لكن الصورة هنا أكثر قتامة وأشد قبحا ذلك أن الطاغوت هنا يلبس لبوس الإسلام وينصب نفسه حاكماً للمسلمين وفي نفس الوقت هو أكثر الناس انحرافا وتضييعا لتعاليم الإسلام ومبادئه العظيمة، وإنه لمما يثير الأسى في النفس أن يوصف أولئك الطغاة بأنهم خلفاء الله في أرضه، وبأن طاعتهم واجبة، وأن هلا يجوز الخروج عليهم، ويرمى كل من يدعو للخروج عليهم وجهادهم بشتى أنواع

٣٠ / ١١٢