السيرة الزكية للمرأة الإباضية لبدرية الشقصية
الجزء ١ · صفحة ٤٠لقد كانت أم جلدين حليمة هادئة الطباع تعفو عمن أساء لها وتصفح عمن ظلمها ولا تضمر لإنسان شرا ولا تخفي بين جوانحها غدرا، بل إنها كانت تقابل الإساءة بالإحسان والتطاول عليها بالعفو والمغفرة، ومع كل هذه الشمائل العطرة المستمدة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإن أبرز علامات هذه العابدة القانتة المخبتة كانت تتمثل في الصبر والرضا في أشد المحن زلزلة للنفس.
وكانت أم جلدين ذات مكانة ومنزلة لدى المشايخ، وتحرص في كل لقاء أن تستفيد منهم، وكانوا يزورونها.
سألتهم يوما عن دواء للذنوب، فقال لها الزواغي: (حب المسلمين يخرج العبد من الذنوب كما تكشط الشاة من جلدها، وكما ينزع الشعر من الزيت).
ولا عجب بعد ذلك أن يكون لها عند ربها المكانة العظمى بحيث يجيب دعاءها ويوفقها لطاعته فمن كراماتها أنها سألت ربها أن لا تموت حتى ترى أم زعرور وزيتون تغرمين، وأن يصلي عليها أبو محمد إذا ماتت، فكتب الله أن ارتحلت مع أهلها طلبا للمرعى والخضرة حتى بلغوا تغرمين، فمضت ابنتا ابنها إلى تغرمين يطحنان فصادفتا بيت أم زعرور، فأخذتا في الطحن والعجوز _ أم زعرور_ مشغولة بالعبادة، فقالتا فيما بينهما:(إن هذه العجوز مثل جدتنا ) فسمعتها أم زعرور فسألتها فأخبرتاها عن أم جلدين فخرجت أم زعرور إليها زائرة، والتقت المرأة الصالحة بالمرأة الصالحة وتواصتا بما فيه الخير، ثم قالت أم زعرور لأم جلدين (ادعي الله) فقالت: (بل ادعي أنت، فإني استحيت من ربي، سألته ثلاثا) تعني أن ترى أم زعرور وترى زيتون تغرمين وأن يصلي عليها أبو محمد، فدعت أم زعرور ورجعت إلى منزلها، فأخبرت أبا محمد _زوج أم زعرور _ فذهب هو الآخر ليزور العجوز الصالحة أم جلدين، ولكنه وجدها قد توفيت فصلى عليها ورجع ينقل الخبر إلى صديقتها الوفية.