السيرة الزكية للمرأة الإباضية لبدرية الشقصية
الجزء ١ · صفحة ٦٥عاشت هذه المرأة في عاصمة الدولة الصنهاجية في البلاد التونسية، توفي عنها زوجها وترك لها ابناً اسمه ماكسن، فهي والدة العلامة ماكسن بن الخير، وهي صاحبة الفضل عليه، وكان من أمر ولدها ماكسن أنه أصيب بالعمى وهو طفل؛ فجهدت بكل وسيلة لتجد دواء له ما استطاعت لذلك سبيلا، وكانت لا تفتر عن السؤال عن دواء يرد البصر لوليدها فما اهتدت، وكانت ذات مرة في بيت أم يوسف زوج المعز بن باديس سلطان أفريقيا، فكانت أم يوسف لا تنفك تنظر ماكسن، وتتأمله فأعجبت بذكائه وخفة روحه، ونصحت أمه بأن تأخذه إلى الكتّاب ليتعلم فتنبهت الأم لذلك وتداركت أمرها؛ فأدخلت ابنها ماكسن مدرسة المدينة وحفظ القرآن الكريم في وقت قصير، وبذلت الأم جهدها من أجل تعليمه وتفرغت له وفرغته للعلم والدراسة، وبعد أن كبر سافر إلى مدرسة أبي محمد وسيلان بن أبي صالح بجربة بتونس، وكان أنجب وأذكى طلابها، وكان كل من رآه يستغرب من براعته وكثرة حفظه إلا أنه كان سريع الغضب، حاد الكلام وشكى الطلبة إلى أستاذهم أبي محمد من ماكسن، فسألهم ما يشكون منه، قالوا: (نشكو منه الخفة) فقال لهم: (لقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بم تكون الخفة في المؤمن؟) فقال لهم: (لغزارة في قلبه) وكان أبو محمد يقول لهم: (والله لا أسمع قولكم فيه ولا أقبله) لما تفرس فيه من الخير والبر وجدية في طلب العلم. وظل في دراسته، فاجتهد حتى أصبح عالماً وفقيهاً وإماماً يسعى إليه العلماء، ولم يقعده العمى واليتم عن التعلم والدراسة، فبفضل الله ثم بفضل نصيحة أم يوسف وبفضل بذل الأم الجهد لتعليم ولدها، أصبح ولدها ماكسن ممن يملك إرادة قوية وصدق عزيمة دفعاه إلى أن يتفوق بأعماله المبصرين، ويصبح ذلك العالم الفقيه الذي عوضه الله عن فقد بصره نوراً في البصيرة وضياء في القلب يرى بقلبه ما لا يراه المبصرون بأعينهم.
** ** **
أمة الواحد
زوج أبي عامر التصراري