السيرة الزكية للمرأة الإباضية لبدرية الشقصية
الجزء ١ · صفحة ٦٧ما أحرى بالتاريخ أن يقف قليلاً متأملاً عظمة هذه المرأة الجليلة، وحسبها عراقة في الدين إنها ابنة العالم الجليل معاذ وأخاها أشهر من نار على علم، لقد ولدت في بيت يتلألأ بالدين الحنيف ويتعطر سماه بعبق تعاليمه السمحة، وتتهادى فيه ملائكة الرحمة.. في هذا المناخ الطاهر الباهر نشأت عائشة نشأة مباركة زكية.
كانت أسرة العالم الصالح معاذ بن أبي علي في مدينة (آجلو)، مدينة الصلاح والعلم والعمل، وكانت أسرة دين وعلم وفضل وخير نساء هذه الأسرة ابنته النجيبة عائشة، حفظت القرآن الكريم وهي صغيرة السن، وتفتح عقلها الذكي لمزيد من المعرفة، فلم أبدت عليها ملامح الأنوثة والجمال ونضارة الشباب، طلبت من أبيها أن يشتري لها حصيرا من النوع الخفيف غير عريض، وطلبت من أمها أن تحضر لها عباءة، بعدها أقنعت والدها برغبتها في الاستمرار في طلب العلم على يد المشايخ، فوافقا على ذلك، فكانت تذهب إلى المجامع العلمية متلحفة في عباءتها الساترة الحاجبة، فإذا بلغت المجالس وجلست قريبا من شيخها، استترت بالحصير وتخفت بعباءتها فكان شخصها مفصولا عن الحاضرين لا تراهم ولا يرونها، ولكنها تسمع وتناقش وتكتب ما تشاء في حرية كاملة، فقد انطبق على عائشة قول الشاعر:
… ... فاطلب من العم مما تقتضي به … ... واعمل بعلمك مضطرا ومختارا
… ... واطلبه ما عشت في الدنيا ومدتها … ... في موقف العرض أن لا تورد النارا
… ... واجعله الله لا تجعله مفخرة … ... ولا ترائي به بدوا وأحضارا