الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ٤٦“ … إنّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسمًا في الموضوع. وغرداية تعني الشّيخ بيّوض.” (المرجع السّابق، ص: 152).
حاولت فرنسا ضرب الوَحدة الوطنيّة بإشاعة أخبار كاذبة، والقيام بحرب إعلاميّة، إذ نشرت خبرًا في جريدة (ليبراسيون Libération) الفرنسيّة أنّ وفدًا ميزابيًّا سافر إلى باريس، وطلب الانفصال عن الجزائر، وإقامة جمهوريّة صحراويّة؛ كذبًا وزورًا وبهتانًا (فكذّابو الأمس هم كذّابو اليوم، والزّور والبهتان طبيعة النّفوس الشّريرة السّفيهة الأفّاكة. فكما دُحضَت مؤامرات أعداء الأمس سُقِط في أيدي أوغاد اليوم) وعلم القاصي والدّاني زيف هذه الدّعوى.
تصدّى الشّيخ بيّوض لهذه المؤامرة وخاطب الحاكم الفرنسي. قائلاً: “وقلت بالحرف: إنّني ممثّل الأغلبيّة السّاحقة من بني ميزاب، والصّحراء جزء لا يتجزّأ من الجزائر، قديمة لم تتغيّر، ولن تتغيّر، وقد دافعت بحرارة عن توحيد السّياسة الإداريّة بين الجنوب والشّمال؛ لأنّها قطر واحد بِخطب ونشريات ودعايات قبل صدور الدّستور الجزائري، وقبل انتخابات المجلس الجزائري، ودافعت عن الفكرة ضدّ الانفصاليّين من فوق منبر المجلس الجزائري، حتّى اضطرّت الحكومة الفرنسيّة إلى إرسال لجنة بحث إلى ميزاب، فكانت مظاهرات، وكان لنا معها جولات، وبعد نحو عام أرسلت لجنة أخرى برلمانيّة لنفس الغرض، جيث لم ترضِها النّتيجة الأولى، فكانت النّتيجة كذلك، إنّ ميزاب لا يريد بأيّ ثمن فصله عن الجزائر، ثمّ أكّدتُ له أنّه لا يوجد مطلقًا أيُّ وفدٍ في باريس يتكلّم باسم ميزاب، وأنَّه لن يستطيع أحدٌ أن يجرُؤَ على التّكلّم باسمه إلاّ من اختارته الأمّة بنفسها.” (أعمالي في الثّورة، ص: 32، 33).
هذا هو موقف الشّيخ بيّوض ووادي ميزاب في مسألة فصل الصّحراء عن الوطن الجزائري: الرّفض القاطع لكلّ تجزئة للتّراب الجزائري، والتّصّدي لكلّ تفرقة بين أبناء الشّعب الواحد. هذا ما أكّدته جريدة المجاهد، اللّسان المركزي لجبهة التّحرير الوطني الجزائرية:”فالصّحراء الجزائرية جزء من الجزائر، والميزابيّون الجزائريّون مثلا كغيرهم من سكّان أقطار الجنوب الآخرين، جزء من الأمّة الجزائريّة، وخير دليل على ذلك