العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ٦٩

133

132

أساسا

اتخذ المحراب في العمارة الدينية الإسلامية شكل فتحة مجوفة وسط جدار القبلة، وتتمثل وظيفته في إيواء الإمام الذي يؤم الجماعة، بالإضافة إلى تعيين وإبراز اتجاه القبلة، وقد أعطى أحمد فكري تفسيرا يبدو مقنعا حول بناء المحراب في شكل تجويفة أو حنية، ففي رأيه فالإمام الذي يتقدم المصلين يكون منعزلا عنهم، فيحتل بذلك صفا بأكمله أي يحتل فضاء كبيرا في المسجد، وبما أنّ المهندس المسلم كان يحرص دوما على استغلال كلّ الفضاءات المتوفرة لديه قدر المستطاع، فقد عمد إلى فتح تجويفة داخل جدار القبلة تكون بقدر نسب الإنسان أو تزيد عنها ليأوي إليها الإمام، بحيث تسمح له بأداء فرائض الصلاة من ركوع وسجود ووقوف بارتياح ودون عناء (1). وهنا لا بد أن نشير إلى أن الاتجاه نحو الكعبة يكون عن طريق جدار القبلة. ولإبراز المحراب كعنصر هام داخل بيوت الصلاة، فقد خصه المهندس المسلم بعناية بالغة، فأبدع وبرع في تزيين وتنميق تجويفته والإطار المحيط بها بزخارف متنوعة نباتية وهندسية وكتابية وصلت حد الإسراف أحيانا، وذلك باستخدام مواد مختلفة مثل الحجر والجص والرخام والبلاطات الخزفية.

تظهر المحاريب في العمائر الدينية الإباضية (المساجد والمصليات الجنائزية بوادي مزاب على شكل فتحة مجوفة بسيطة بجدار القبلة وهي قليلة الانضباط وذات مخطط نصف دائري، ولا نرى للمحاريب ذات التصميم المضلّع وجودا في مساجد هذه المنطقة، كما يشير إلى ذلك جوزيف شاخت (2). ولكن في المقابل نلاحظ وجود هذا التصميم المضلع في المصلى الجنائزي عمي إبراهيم الشكل (11) والمصلّى الجنائزي با أمحمد فقط (الشكل (12). تنتهي المحاريب في جزئها العلوي بحنية معقودة بعقد نصف دائري الصور 52 53 54 55 56 57 58 (59) وأحيانا على شكل حدوة الفرس الصورة 83)، ولا يكتنفها عمودان كما عهدنا ذلك في معظم المنشآت الدينية في كل أقطار العالم الإسلامي، وتشغل المحاريب في العمارة المزابية حيّزا معماريا في جدار القبلة داخل بيوت الصلاة سواء كان ذلك في المساجد أو في المصليات الجنائزية المغطاة، وتوجد أيضا في صحون المساجد (الصورة 15). وتظهر على شكل "عنزة" في سطوح المساجد وفي المصليات الجنائزية المكشوفة.

إن بساطة المحراب تتفاعل وتنسجم مع روح العمارة المحلية التي تمتاز بالبساطة الإنشائية، ونعتقد أن هذه البساطة نابعة أصلا من الفكر الإباضي الذي يتشدّد في مسائل تزيين وزخرفة أماكن العبادة). حيث يقصد من وراء ذلك التحريم إبعاد كلّ ما يمكن أن يشغل فكر المصلي ويلهيه عن صلاته، ويشكل عائقا أمام خشوعه.

ولا تقتصر ميزة البساطة والتقشف في البناء على محاريب مزاب فقط، بل تعم هذه الخصوصية أيضا العمائر الدينية التي شيدت في شمال إفريقيا، لاسيما تلك المناطق التي شهدت تمركز الجماعات الإباضية فيها مثل مساجد جربة (2) ومساجد جبل نفوسة بليبيا (3).

تبدو

تشكل المحاريب بروزا ونتوءا نحو الخارج على شكل كتلة غير واضحة المخطّط، بحيث فضة وغليظة في الأسفل وتقلّ تلك الفضاضة كلّما زاد في الارتفاع نحو الأعلى. لقد امتازت بعض الجماعات الإباضية بالمحافظة على المحاريب القديمة أثناء التوسعات والإضافات اللاحقة على المبنى، ويبدو أنها كانت تتبع في ذلك إحدى أراء الفكر الإباضي في هذه القضية، حيث يقول البطاشي في هذا الصدد ما يلي: ومن يكن أسس مسجدا وقد أراد بعد ذلك فيه أن يزيد أو أنه قبلا صغيرا كان وشاء أن يوسع الأركانا فذاك جائز ولو أن يهدّما جميعه ولو المحراب سما يهتم عن جوانب ومن وراء محرابه لا يهدمن أصلا (4)

وذا هو الصحيح والبعض يرى

لا من أمامه وقيل إلا

(1) - للنظر في رأي المذهب الإباضي حول قضية تزيين المساجد ينظر الجيطالي قناطر الخيرات باب فصل المساجد

349 - 345:

(2) - ينظر: رياض المرابط: جوامع ومساجد جزيرة جربة ص: 40 - 44. (3) - ينظر: علي مسعود البلوشي وآخرون: المرجع السابق، ص: 16. (4) - البطاشي: المرجع السابق، ج: 40 ص: 326.

(2) - Joseph Schacht : La Diffusion

pp: 18 - 19.

(1) - أحمد فكري المرجع السابق، ص: 60

Scanned by CamScanner