العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف
الجزء ١ · صفحة ٧١137
136
سلّمنا
بهذا
محراب، فنجد مثلا محراب الحنفية ومحراب الحنابلة ومحراب المالكية (1). تخلو محاريب العمائر الدينية المزابية من كلّ أشكال الزخرفة، ولا شك أن لفكر المذهب الإباضي أثره في هذه قضية، وفي هذا الصدد يقدّم لنا البطاشي في كتابه السلاسل ملخصا حول رأي المذهب الإباضي في قضية تحريم الزخرفة في جدار القبلة وحتى الخطية منها، ومما لا شك فيه أن المقصود من المنع هنا هو المحراب باعتباره المجال الأوفر حظا في جلب اهتمام وعناية الفنان المسلم وتكون الزخرفة في العموم على مستوى تجويف المحراب وإطاره، وقد لخص البطاشي ذلك في الأبيات الآتية: وعن أبي محمد المجيد لا يكتبن في قبلة المسجد خشية أن يشغل من قد يقف شيء من الكلام وهو يعوق ولا يجوز فيه جعل صورة (2) من حكم القرآن أو موعظة
الذكرى لمسجد قديم لم نعهدها في العمارة الدينية الإسلامية، وحتى في حالة ما إذا الرأي، فهناك تساؤل هام لا بدّ من، طرحه فلماذا لم يُبن هذا المحراب الذكرى إلى جانب المحراب الأول في المسجد النواة الأولى)؟ وترك إلى فترة التوسع الثاني، وانطلاقا من هذا فهذا الرأي في تصوّرنا بعيد كل البعد عن الحقيقة العلمية ويحتاج إلى الأدلة والبراهين إننا نعتقد أن منطقة وادي مزاب استنادا إلى بعض رسائل بعض علماء القرن التاسع الهجري (1) كانت تعيش فترة تاريخية عصيبة لاسيما في بداية القرن التاسع الهجري، إذ يفهم من خلال الرسالة التي بعثها عمّي سعيد الجربي إلى فقهاء الإباضية بعمان أن الجهل والظلام قد خيم في ربوع مزاب، حتى وصل الأمر إلى حدّ الفرقة بين اتباع المذهب الإباضي، إذ ظهر فريقان متخاصمان ومتصارعان كانا يعرفان باسم الصف الشرقي والصف الغربي، وقد وصل الصراع والنزاع والتناحر بينهما إلى حد اتخاذ كل فريق محرابا له في المسجد، بدلا من بناء مسجد آخر، وذلك تماشيا مع تقاليد وأعراف المنطقة التي تمنع بناء مسجد ثان في المدينة الواحدة. ويبدو أن هذه الوضعية قد أرقت زعماء إياضية وادي مزاب، فأرسلوا في طلب نجدة من إخوانهم في جربة، فبعثوا إليهم الشيخ عمي سعيد الجربي، وبفضل جهوده وجهود تلميذه أبي مهدي عيسى توحدت صفوف المزابيين من جديد، وتمّ القضاء فيما يبدو على تلك البدعة (إنشاء محراب لكل فريق في مسجد المدينة)، وخير ما نستدل به كلامنا، هو اختفاء الظاهرة الأساسية لإقامة الصلاة. تماما أثناء التوسع الذي أشرف عليه الشيخ عمي سعيد شخصيا في مسجد غرداية العتيق، وعدم بروزها مرة أخرى عندما تك بناء مساجد جديدة إبّان القرن العاشر الهجري السابع عشر الميلادي مثل مسجد القرارة ومسجد بريان.
واعتبارا أنّ الظاهرة اختفت بفضل جهود العالمين الإباضيين عمّي سعيد الجربي وأبي مهدي عيسى (القرن 9 - 10 هـ (15 (16 م)، فيمكن اتخاذها كقرينة تاريخية بالنسبة لتحديد تواريخ بعض التوسعات – ولو نسبيا – التي تمت في المسجد الكبير ببني يزقن والمسجد العتيق
بغرداية.
إن ظاهرة تعدّد المحاريب لم تكن تقتصر على مساجد وادي مزاب، بل شاهدناها حتّى في بعض المساجد الإسلامية الكبرى القديمة مثل جامع الأموي بدمشق، حيث خُصص لكلّ مذهب
(1) - رسالة الشيخ عمي سعيد بن علي بن يحي بن يدر بن سليمان بن عثمان الجربي إلى فقهاء عمان. ينظر: رسالة مخطوطة في مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن.
إذا فقضية منع الزخرفة بكل أنواعها في المذهب الإباضي كان من باب عدم إلهاء المصلي وصرف انتباهه أثناء أدائه للصلاة، وعدم إعاقته من الخشوع الذي يُعدّ من الشروط
2 - المئذنة:
تعد من العناصر المعمارية الأساسية والمتميّزة في عمارة المساجد أو المدارس، وأصبحت رمزا يدل على قيام المسجد ويزيد من شموخه، ورفعته ولعل تلك الأهمية كانت العامل الرئيسي في تخصيصها بالرعاية اللازمة والعناية البالغة من قبل المعماري هي المسلم، وهذا ما جعلها تتطوّر وتتنوع طرزها مع تعاقب العصور.
(1) - ينظر بهنسي عفيف: الفن الإسلامي، ص: 40 (2) - البطاشي: المصدر السابق، ج 4، ص: 328
Scanned by CamScanner