القيم السوسيوثقافية للمرأة المزابية والفضاءات الاجتماعية الحديثة: دراسة ميدانية على عينة من النساء المتزوجات من قصر غرداية عائشة نجار

القيم السوسيوثقافية للمرأة المزابية لعائشة نجار

الجزء ١ · صفحة ٥٣

تمهيد

إننا نجد أنفسنا في حيرة إلى حد ما، عندما نرغب في الإحاطة بأحد المواضيع الصعبة التناول بالنسبة لعلم الاجتماع، فدراسة موضوع كالقيم تكتنفه الكثير من الصعوبات في مقاربته علميًّا، إذ لا يمكن إخضاعه بسهوله للمنهج العلمي، حيث درج كثيرا الاعتقاد أن القيم هي من بين تلك المواضيع التي تقع خارج نطاق البحوث الامبريقية، وأنه من الصعب قياسها وتحديد أبعادها وعلاقتها بغيرها من المتغيرات، وكأنها أشبه بقوى عميقة لاعقلانية لا يمكن إخضاعها للدراسة التجريبية، إضافة إلى أنه يُنظر إليها في أغلب الأحيان أنها تتسم بنوع من الذاتية، فهي موضوع فلسفة أكثر مما هي موضوع علم.

القيم هي

وعلى الرغم من ذلك، إلا أنّ الحديث عنها يحظى بأهمية كبيرة لدى الباحثين في السوسيولوجيا المعاصرة، ولعلّ الرائز الذي يميز المجتمعات عن بعضها البعض، ذلك أن الوقائع تؤكد أن انسجام أي ثقافة وتميزها يدور حول القيم التي تبثها في الأفراد، لأنها وثيقة الصلة بالعقائد والأفكار والسلوكات وحتى نمط الحياة، إنها الإطار الحاكم والمرجعي للسلوك الإنساني والممارسات الاجتماعية، ومن ثمة فهي تعبر عن هوية المجتمع وإحدى مؤشراتها، لأنّ الهوية في أبسط تحديداتها تعبير عن تفاعل المجتمع مع المنظومة القيمية التي يدين لها بالولاء، حتى أن الجدل الدائر يظهر في اشكالية "التجدّد المستمر للهوية وإعادة تشكلها باستمرار ومدى تأثيرها على طبيعة البنية

لعله

اليوم القيمية للمجتمع، من هنا تتبدى أهمية دراسة القيم في علم الاجتماع.

"

ثم إن حديثنا في فصل سابق (الفصل الأول عن الفضاء و إنتاجه للقيم والثقافة والهوية، في مقاربة تشكل الفضاء لدى لوفبفر، يفضي بنا إلى طرح تساؤلات موجّهة في هذا الاتجاه، لعلاقته بموضوع الدراسة، نعرف من خلالها كيف تتولد القيم وتتشكل ثم تتوطد لتستمر وتعيش؟ وكيف تختفي قيم أخرى وتضمر وتموت ثم تولد قيم أخرى جديدة؟ إننا من خلال هذا الفصل نحاول إيضاح هذه المقاربة المزدوجة، ومناقشة الاعتبارات والمتطلبات المنهجية لدراسة القيم في علم الاجتماع، إضافة إلى مسألة نسبية القيم والتي تفضي بنا إلى الحديث عن مفهوم التغيير الاجتماعي وهو المفهوم المركزي الذي سيوجه تحليلنا لموضوع تحولات منظومة القيم وتغيراتها، فالمجتمعات تتحرك وتنمو وتتطور وهي عرضة للتغير المستمر، فكل مرحلة تحمل معها مستجدات أخرى، إذ أننا نعيش في هذه الحياة وكأننا أمام نهر دافق متجدّد، أو على رأي الفيلسوف اليوناني القديم هير قليدس، فالإنسان لا يستحم في النهر الواحد مرتين، لأن ماء هذا النهر يتجدد".

43

Scanned by CamScanner

٥٣ / ٣٢٥