تاريخ أهل عمان - من كشف الغمة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧على أن هناك ظاهرة واضحة في كتابة التاريخ، تترتب على اعتماد اللاحقين من المؤرخين على السابقين، ونقلهم عنهم، هي ما نلاحظه من تشابه – قد يصل أحيانا إلي درجة التطابق – في مختلف الكتب التي تعالج حلقة واحدة من حلقات تاريخ هذا البلد أو ذلك العصر.
ولكن علينا هنا أن نضع أمامنا حقيقتين: الأولى هي أن التاريخ يعبر عن الماضي، يعبر عن أشياء حدثت فعلا، يعبر عن سياسات، وأوضاع وعلاقات وحروب ووقائع وأحداث جربت، ولا مجال كبير في الخلاف حولها يصّور أناسا – حكاما ومحكومين - قاموا بدورهم على مسرح الحياة البشرية، منهم العظيم ومنهم الوضيع، فيهم الأمين القوي صاحب الهمم، والخائف الضعيف المتقاعس ولابد أن تتشابه صور التاريخ في كافة كتبه وكتاباته، طالما يلتزم المؤلف بالحقيقة كاملة، ويتحرى الأحداث غير ناقصة، وينأى عن الأهواء وتعتمد المسخ وافتعال التشويه.
أما الحقيقة الثانية فهي أننا – رغم ما سبق – نلاحظ فوارق بين الكتابات التاريخية عندما تتعرض لسرد رواية واحدة، حتى لو كان مؤلفو هذه الكتب استقوا روايتهم عن مصدر واحد. ذلك أن المؤرخين اللاحقين عندما يأخذون عن السابقين فإنهم أحيانا لا ينقلون نقلا حرفيا، وإنما يعبر كل واحد منهم عن شخصيته وعقليته واتجاهاته الفكرية وأحاسيسه وكثيرا ما نقرأ رواية في كتابين من كتب اللاحقين أخذاها عن مصدر واحد سابق عليهما، ولكننا نجد بعض الإختلافات في العرض والتفاصيل، أحدهما أطنب والآخر تعمد الإيجاز، أحدهما حرص على أن يذكر كافة الأسماء المرتبطة بالحادث من قريب أو بعيد، والآخر اكتفي بذكر اسم أو إسمين. وربما علّق بعضهم على ما حدث برأي جديد يعبر عن وجهة نظره، أو استقاه من مصدر آخر لم يطلع عليه غيره، مما يجعل لكل كتاب طابعه ومزاياه.
* * *