الجهالة النافعة في عقود المعاوضات المالية
الجزء ١ · صفحة ٤٩مقابل أن يثمّر هذا المال بالطريقة التي يراها محققة للربح فينتفع صاحب المال بخبرة المضارب، كما ينتفع المضارب بذلك المال مقابل عمله الذي يعمله.
وقد أقرته الشريعة الإسلامية لما يحققه من منافع ومصالح للناس، واستدلّ على جوازه بالآية الكريمة وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله} [المزمل:20]، وكذلك ما رُوي عن ابن عباس أنه قال: (كان العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرا ولا ينزل به، واديا، ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل فهو ضامن، فرفع شرطه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه).
والجهالة في عقد المضاربة تتمثل في نصيب العامل؛ إذ لا يتم تعيينه وقت التعاقد وإنما يتفق الطرفان على نصيب شائع أو نسبة محددة من الربح، فلو اتفقا على أن يكون الربح بينهما مناصفة فقد يكون الربح كثيرا مما يترتب على ذلك نصيب وفير للعامل، وقد يكون الربح قليلا جدا أو قد لا رأسًا، وهذه الجهالة حَدَت بجمهور العلماء أن يقولوا كما تقدم سابقا - إنما جاز العقد خروجًا عن مقتضى القياس.
ينتج عن العقد أي
ربح)
ووجه النفع في هذه الجهالة تتمثل في الدافع النفسي الذي يتولد في نفسي المتعاقدين مما يحثهما على قيام العقد، واستمراره وذلك أن صاحب المال والعامل بعدما يحددان نسبة
كل واحد منهما من الربح، فإنهما يظلان غير عالمين بنصيبهما فعليا، والربح معلق على شيئين هما عمل العامل ومتابعة صاحب رأس المال، وهذا الأمر يحث العامل على زيادة كفاءة عمله؛ لأن نصيبه متعلق على هذا الشيء، ويحث صاحب المال على استمرار المتابعة للعامل
1 الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج 6، ص76، كتاب المضاربة. 2 أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني البيهقي (ت: 458هـ)، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة 1424 هـ - 2003 م، ج 6، ص 185، كتاب القراض، رقم
الحديث 11613.
3 ينظر: البابرتي، العناية شرح الهداية، ج?، ص 448، كتاب المضاربة، والزيلعي، ج ?، ص53، كتاب المضاربة. ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج 6، ص79، كتاب المضاربة.
46