مقال قضية عمل المرأة. شخار أبو نصر
الجزء ١ · صفحة ٣مدخل تمهيدي: الإطار المنهجي لتحليل قضية عمل المرأة.
إن الظاهرة الإنسانية ظاهرة مركبة ومعقدة لا تنخزل في مسائل جزئية منبتة عن سياقها، وإنما هي أنساق كلية تتشكل سورتها بطبيعة ترابط أجزائها بعضها ببعض، ولا يمكن فهم الجزء إلا باستحضار الصورة الكلية، ومن أجل هذا كان "اعتبار المآلات" من أهم الوسائل التحليلية التي يتوسل بها علم المقاصد لدراسة الظواهر الإنسانية والحكم عليها، فالانسجام بين أحكام الشريعة هو من أوضح ماصدقات الإعجاز التشريعي للإسلام (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82].
ذلك
و"عمل المرأة" من حيث الحكم الشرعي التكليفي أمر "مباح" لم يرد نص شرعي يمنع منه لذاته، ولا نص يوجبه لذاته، بل وردت الإشارة واضحة جلية بمشروعية ذلك في عمل من أشرف الأعمال الإنسانية وهو الإرضاع (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق: 6]، ولم تفرّق الشريعة بين الذكر والأنثى في أحكام الإجارة والشركة والبيع والشراء وغير المعاملات، والله تعالى القائل (لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) [آل عمران: 195]، لكن الأمر المباح يقع ضمن حاكمية أوسع وهي قصد الشريعة إلى جلب المصالح ودرأ المفاسد والمآلات السيئة، فإن تعيّن إفضاء مباح للمفسدة تعيّن تركه، كما أن حكم الإباحة بحسب الكلية والجزئية يتجاذبه الأحكام الخمسة؛ فالمباح قد يكون مباحا بالجزء مطلوبا بالكل على جهة الندب أو الوجوب، أو مباحا بالجزء منهيا عنه بالكل على جهة الكراهة أو المنع 2.
من
والنظر إلى المآلات أصل من أصول النظر، ورغم عدم نص الأصوليين عليه دليلا إجماليا مستقلا إلا أن منطق النظر إلى المآل حاضر في دليل سد الذرائع والاستصلاح والاستحسان، ويقرّر الشاطبي أن "الأدلة الشرعية والاستقراء التام [على] أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية 3. واعتبار المآل في العملية الاجتهادية يعني الاعتداد" بما تفضي إليه الأحكام عند تطبيقها بما يوافق مقاصد التشريع "، ويكون ذلك بتحليل أسباب الفعل ومسبباته ونتائجه الكلية والجزئية فـ"الأعمال – إذا تأملتها مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسبّبات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات "5.
400
ولاستيعاب المآلات الحاصلة في قضية "عمل" "المرأة سنحاول الوقوف على الخلفيات الفكرية والأيديولوجية التي يمكن أن ترتبط بها، والأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتعلقة بها، فـ"مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة
2 إبراهيم بن موسى أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، طبعة دار ابن عفان، ط 1، 1417 هـ / 1997 م)، 206/ 1، 208.
3
الشاطبي، الموافقات 179/ 5
4 وليد علي الحسين، اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي (الرياض): دار التدمرية، ط 2، 2009 م)، ص 37.
5
الشاطبي، الموافقات 178/ 5
3