جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٠١

مسور

الحرة (170) يقول الحيلاتي اشتد الحال على أهل الجزيرة لما أظهروا لهم من الشر وسفك الدماء وأخذ أموال الناس ظلما وعدوانا فكر شيوخ الجزيرة في هذا الحصار الذي ضربه عليهم درغوث وكتبوا رسالة بعثوها مع رسول يطلبون مقابلته (171) وطلبوا منه الحضور إليهم فوافق طلبهم ولكن المشايخ تفطنوا إلى أن بعض السفهاء يريدون اغتياله غدرا فلم يرضوا بالخيانة والغدر لأنهم نظروا إلى الأمور بعين الجد وذكروا للقوم فضل درغوث في مواجهة النصارى وتحطيم أساطيلهم فلم يرضوا ولم يوافقوا على تنفيذ هذه المؤامرة الشنيعة. أسند المشائخ الأمر إلى أبي يعقوب يوسف بن أبي بالمفاوضة في أمر الصلح استعد الشيخ يوسف للقيام بهذه المهمة باتفاق جميع سكان الجزيرة. ذهب أبو مسور إلى درغوث واتفق معه على الصلح بأن يسمح سكان الجزيرة لدرغوث وجيشه بالدخول إلى جربة وان تعود الجزيرة إلى ولاية طرابلس على شرط أن لا يؤذي أحدا ولا يغتصب مالا ولا يقتل نفسا ولا ينتهك الحرمات. سمح أبطال الجزيرة لجنود درغوث بالدخول ولكن درغوث خان العهد وسمح لجنوده الذين حسبوا أنفسهم فاتحين أن يفعلوا ما يشاءون فألقوا القبض على شيخ الجزيرة عبد الله البرجي وقتلوه وسلخوا جلده وملؤه نخالة وبعثوا به إلى طرابلس فاضطر أبو مسور أن يعود مرة ثانية إلى درغوث ليذكره بالعهد فاستجاب القائد لكلمة الحق بعد أن ترك جيشه في الجزيرة أسوأ الأثر هرب سكان جربة وتركوا منازلهم ومزارعهم وارتحلوا إلى جوار أبي يعقوب فسكنوا حول منزله على شكل لاجئين في خيم لأن الجيش التركي أطلق المدافع فاحدث دويا عظيما وطلقات نارية متتابعة فضاق الناس بهذا الدوي الصاخب فذهب أبو مسور إلى القائد وطلب منه أن يأمر جيشه بإيقاف إطلاق المدافع حتى تهدأ أعصاب الناس الضعفاء وطلب الشيخ يوسف من القائد أن يسير معه إلى منزله لتنفيذ الصلح وتم عقد الصلح مرة ثانية مراعيان فيه مصلحة الأمة وتناول القائد طعام الغداء صحبة ضباطه ثم رجع إلى جنده وحذرهم أن يرتكبوا أي خطأ في هذه الجزيرة ثم أمر أبو يعقوب أهله أن يجعلوا طعاما للاجئين المساكين الذين تعرضوا إلى الرعب والحرمان والجوع وأخرج الشيخ قدرا كبيرا يحمله رجلان وأخذ يطوف على المساكين ويوزع عليهم الطعام.

من

لقد أثمر هذا الصلح في هذه المرة فلم يعد الجند إلى الاعتداء وبقي درغوث يأخذ الضرائب حتى انتهت تبعية جربة لطرابلس وألحقت بتونس. عاش أبو يعقوب في فترة حرجة من تاريخ الجزيرة التي اجتمعت فيها البلايا كل جانب فقد كان الأعراب يتكالبون عليها للسلب والنهب وكانت الدولة تلح في جمع المال وفرض الضرائب وكانت القرصنة الإسبانية حريصة على احتلالها عاملة على غزوها من حين لآخر. وكان بعض المتعصبين ممن ينتمي إلى العلم يلهب العصبية المذهبية ويوغر الصدور على الإباضية ويدعو إلى تكفيرهم وعدم قبول شهادتهم فكان أبو مسور يخفف آلام الناس بما يملك من وسيلة فيمد يد الإحسان إلى الضعفاء ويستعمل الكلمة الطيبة ويقف في وجه الحكام مدافعا عن الشعب المظلوم. توفي هذا العالم بعد جهاد طويل يناصر الحق بلسانه ويده في ذي القعدة سنة 1013 هـ وتركت وفاته فراغا في جربة أحس به الناس جميعا. دفن بمقبرة الجامع الكبير بالحشان وتولى منصبه ابنه العلامة الشيخ سعيد الذي اشتهر بالصلاح والتقوى وكان مرجعا للناس بعده إلا أنه لم تطل به الحياة فتوفي بعد سنوات من وفاة أبيه ودفن بروضتهم مع المشائخ المتأخرين من أحفاد أبي مسور ومنهم العلامة الشيخ

170) - الإباضية بتونس ص 178 علي يحي معمر طبعة دار الثقافة بيروت 1966.) - رسالة الحيلاتي ص 48 مخطوط بالمكتبة البارونية

171