الفكر السياسي من خلال سيرة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٩(وقد عرفت جميع الأمم والحضارات القديمة بعض مظاهر التشريعات القانونية والسياسية وبعض القواعد والأفكار السياسية، فقد عرفت الحضارة الصينية القديمة بعض المصلحين من ذوي الأفكار السياسية والأخلاقية مثل كونفوشيوس 1، كما عرف الشرق العربي حمورابي 2 المشرع المشهور، وعرفت الحضارة الفرعونية شكلا معينا من أشكال نظام الحكم، ولكن جميع هذه الأفكار والتشريعات لم ترتق إلى المستوى المنهجي للمعرفة العلمية وبقيت ترتبط بالأساطير وغيرها إلى أن جاءت الحضارة اليونانية وبدأت الأفكار السياسية في تصوير طبيعة العلاقات الإنسانية في دولة المدنية، وركزت على الأسس الأخلاقية للحكم فاهتمت بالقيم السياسية كالعدالة
والحرية، ونوعية الحكم والمشاركة الشعبية. لذلك تعد الحضارة اليونانية القديمة أول من قدم الفكر السياسي بصورة علمية مستقلة. وفي حضارة العصور الوسطى سواء الإسلامية منها أو المسيحية ظهرت الأفكار السياسية
لتعبر عن الصراع القائم بين السلطة الزمنية أي الحكام الدنيويين والسلطة الدينية، وركزت الحضارة الإسلامية بالذات على مواصفات الحاكم والشروط الواجب توافرها فيه. وفي العصور الحديثة تركزت الأفكار السياسية حول الشكل الأمثل لنظام الحكم، وظهرت النظريات الملكية والديمقراطية لتبرير شكل السلطة وتصرفاتها. وفي
الوقت المعاصر امتدت الأفكار السياسية لتشمل نواحي الحياة الأخرى الاجتماعية والاقتصادية نتيجة التوسعات الضخمة التي شهدتها وظيفة الدولة الحديثة، وظهرت الأيديولجيات المختلفة لتبرير وظيفة الدولة.
1"كونفوشيوس (نحو 551 - 480 ق. م) وهي الصيغة اللاتينية لاسم الفيلسوف الصيني كونغ فوتسو الذي يعني (الملك الفيلسوف). قيل إنه كان أشد الأولاد دمامة في الصين، وقيل أيضا إنه كان منذ صغيره شديد الذكاء. التحق بخدمة الحكومة في شبابه، ومع ت في السن راح يحس بالرغبة في تحسين نوع الحياة بين إخوان البشر، إلا أنه لم يفكر أن ذلك شأن حكومة كريمة، بل على هؤلاء أنفسهم
تقدمه
أن يحسنوا نمط حياتهم. أي كان يود تنمية حس أفضل من المسؤولية الاجتماعية. وفي الستين استقال من وظيفته وأنشأ مدرسة يعلم فيها تلاميذه أفكاره، وكان مخططه يتناول الأخلاق والواجبات العائلية والإصلاح الاجتماعي والعلاقات الشخصية، ويقال إنه لم يدون الكثير ولكن أتباعه فعلوا ذلك. ومن الأعمال التي تعزى إلى تعاليمه المنتخبات الأدبية وهي سجل لمحاضراته." شيخاني، سمير، صانعو التاريخ، مؤسسة عز الدين، بيروت-لبنان 1416 - 1996، 27/ 1 - 28
2"حمورابي (نحو 1730 –
1680
ق. م) كان أعظم ملوك بابل، ولعل أعظم إنجازاته مجموعة قوانينه الشهيرة المعروفة بشريعة حمورابي،
وهي الأولى من نوعها في التاريخ القديم. وكانت عبارة عن لائحة قوانين تتعلق بكيفية التصرف، وتغطي مجالا واسعا من السلوك البشري. وكانت شريعته قاسية، ولكنها في تلك الأيام الصعبة الاحتمال أمنت درجة عالية من القانون والأمن والنظام في بلاد مزقتها
الصراعات الداخلية مدة طويلة. وقد نقشت على عمود من الصخر الأسود باق حتى اليوم، وهو في متحف اللوفر الفرنسي. وبنى حمورابي القوات والمعابد والطرقات والمكتبات ووسع مملكته وحفظها سالمة وجعل جيرانه يهابونه." شيخاني، صانعو التاريخ، 12 - 13 بركات، مقدمة في الفكر السياسي، 26 - 27
16
16