من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٦العلاقة
بين العلماء ورجال السلطة
دعوهم
واعلم أن شر العلماء علماء السلاطين وللعلماء معهم أحوال، فكان الصدر الأول يفرون منهم وهم يطلبونهم، فإذا حصل لهم بياض) أفرغوا عليهم الدنيا إفراغاً ليقتنصوا بذلك غيره، ثم جاء أهل العصر الثاني فطمحت نفوسهم إلى دنيا من حصل لهم، ومنعهم قرب العهد بالخير عن إتيانهم، فكانوا لا يأتونهم، فإن أجابوهم إلا القليل، فانتقصوهم عما كان لغيرهم. بقدر ما نقصوا من منابذتهم، ثم كان فيمن بعدهم من يأتيهم بلا دعوة وأكثرهم إن دعي أجاب، فاستنقصوا بقدر ذلك أيضاً، ثم تطارح جمهور من بعدهم عليهم فامتنعوا عن دعاء غيرهم إلا على جهة الفضل ومحبة المدحة منهم، فلم يبقوا عليهم إلا النزر اليسير وصرفوهم لأجله في أنواع السخر والخدم إلا القليل، وهم ينتظرون صرفهم والتصريح بالاستغناء عنهم وعدم الحاجة إليهم ولا تستعظم بهذا ولعله سبب لإعادة الحال جدعة. عَجِبَ الله من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل، وهذا كله ليظهر لك سر قوله: التتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشير وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه خلفهم قيل: اليهود والنصارى؟ قال فمن! وقد قص علينا القرآن والأخبار من أمرهم ما شهدنا أكثر منه فينا. سمعت العلامة أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الآبلي يقول: لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل فيهم لأنا أتينا أكثر مما أتوا يشير إلى افتراق هذه الأمة على أكثر مما افترقت عليه بنو إسرائيل، واشتهار بأسهم بينهم إلى يوم القيامة، حتى ضعفوا بذلك عن عدوهم وتعدد ملوكهم لاتساع أقطارهم واختلاف أنسابهم وعوائدهم حتى غلبوا بذلك على الخلافة فنزعت من أيديهم، وساروا في ملكهم
286