من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٩٧جهاد عروج بربروسة
كانت الجزائر خاضعة لتلمسان مدة طويلة لكنها استسلمت لملك بجاية القائم حديثاً لقربها من مملكته فانحاز أهل الجزائر إلى ملك بجاية لما أوجسوا منه خيفة، ولعدم قدرة ملك تلمسان على إنجادهم، فبايعوه وأدوا إليه الخراج لكنهم بقوا تقريباً متحررين، وبعد ذلك سلحوا سفناً وتحولوا إلى قراصنة، فصاروا يغيرون على جزر يابسة وميورقة ومنورقة، وحتى شواطئ إسبانيا، لذا أرسل الملك الكاثوليكي فردناند أسطولاً عظيماً لحصار الجزائر. فشيدوا قلعة جميلة كبيرة في جزيرة صغيرة مقابلة تماماً للمدينة وقريبة منها. بحيث كانت قذائف المدفعية تصل إلى اليابسة بل وتمر فوقها من سور إلى سور، فاضطر أهل الجزائر إلى إيفاد سفارة إلى إسبانيا تطلب هدنة عشر سنوات مقابل بعض الخراج، فقبل الملك ذلك وعاشوا في السلم بضعة أشهر.
ثم جاء بربروس فحاصر بجاية وإحدى القلعتين اللتين بناهما الإسبان بعد أن استولى على الأخرى، لكنه لم يصل إلى نتيجة لأن القبائل الجبلية التي هبت لنصرته ذهبت بدون استئذانه لزرع الحقول، وتبعها أيضاً عدد كبير من الجنود الأتراك فاضطر بربروس إلى الفرار، وقبل أن ينصرف أحرق بيده اثنتي عشرة سفينة ضخمة كانت راسية في النهر، على بعد ثلاثة أميال من بجاية. ثم التجأ مع أربعين من خواصه الأتراك إلى قصر جيجل الواقع على بعد ستين ميلاً من بجاية. ومكث به فترة من الزمان هلك خلالها الملك الكاثوليكي، وأراد أهل الجزائر أن يفسخوا الهدنة ويتخلصوا من الخراج الذي كانوا يؤدونه لإسبانيا، فأرسلوا إلى بربروس ليكون قائداً لهم، نظراً لقيمته العسكرية العظيمة وكفايته في محاربته للمسيحيين، وكان الخلاف قائماً بين بربروس وأحد المتسلطين على إمارة الجزائر، فقتله غيلة في أحد الحمامات وكان هذا المتآمر زعيم الأعراب القاطنين بسهل المتيجة،
297