من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٢٣الورتلاني يحل بمدينة قسنطينة
الخمسة
ثم ضعنا منه صباحاً فسرنا أياماً في عافية إلى أن وصلنا إلى مدينة قسنطينة وهي مدينة في وطننا وقاعدة من قواعد بلادنا وإن لم يكن فيها السلطان ففيها نائبه السيد الباي وهي مدينة قوية ليست كبيرة جداً ولا صغيرة أيضاً، وعليها سور كبير وفيها أبواب ثلاثة باب الوادي وباب الجابية، وباب القنطرة، وفيها بويب صغير يخرج منه الآدمي وفيها أسواق كثيرة ودكاكين طيبة ومساجد للجمعة نحو وبعضها في غاية الإتقان كمسجد الباشا في طرابلس وأظن أن صانعها واحد، وهذه المدينة مبنية على كهف وجرف عظيم يكاد من سقط منه أن يهلك بل يموت قطعاً، وفيها قصبة عظيمة وعسكر من الترك بقدر حالها وباي سطوته عظيمة وحاله كبير، وعساكره كثيرة، تنفذ منها للجزائر أموال عظيمة من المغرم ومددها قوي وظلمها كثير وسعرها رخيص واسعة الأرزاق كثيرة الارتقاق ممدودة الأنفاق كثير فيها اللحم والسمن والقمح والتين، وما أحسنها من زرع ودرع وضرع تأتيها القوافل من كل النواحي، قليلة الفواكه كثيرة المزارع محصنة تحتها واد كبير، وماؤه عذب منه يشربون إذ ينقلون ماءه إلى الديار وفيه يسقون ويستسقون ويغسلون ويغتسلون، وعليه بنيت المدينة من قديم الزمان. .
حاصله أن كثرة المذاق توجد للقلب النفاق، وقلة الأرزاق، تيسر الطريق إلى الله بالإنفاق، وذلك معلوم عند أهل الحقائق بقسنطينة لما كثر رزقها واتسع إنفاقها عسر الوصول فيها إلى الله لقلة المساعد وكثرة المتكبر المعاند، وإن وجد فيها الصلاح فمن البله وقلة المعتني فيها بنفسه حتى لا يظهر فيها صالح أصلاً وعلى تقدير ظهوره فتسرع فيه المنية لأنه عذاب وهلاك لمن خالف طبعه وأساء ظنه وقد قال صلى الله عليه وسلم عن الله: من عادى لي ولياً فقد آذيته بالمحاربة». فيكون هلاكه وسرعته رحمة بأهل وطنه فلا يتأني إظهار ولي فيها لأن ظهوره يكون سبباً لرجوع
423