من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٤٤٤

انتظام الحكم في الجزائر أثناء العهد العثماني

ثم إن دولة الأتراك ضربت الأتراك بجرانها، وألقت بهذا المغرب الأوسط كلكلها، ومدت رواقها على ما بين وجدة إلى منتهى أعمال تونس، واتصلت بأطراف عمالة الخليفة في القديم فدوخوا عصاتها. ودانت لهم أهلها. فانقطعت عروق الفتن، وذهبت مواد الشقاق ولم يبق بها صائل غيرهم، ولا ثائر من سواهم، واختصروا ما كان يكثر غيرهم لطلب الملك من الثورة بالقبائل وإقامة الحروب وإثارة الفتن الجلائل، فصار ذلك مقصوراً على دار الملك، لا يتعداها إلى الزقاق وكانوا إذا قام أحد على السلطان فقتله في داره. وكان له أنصار يحمونه تولى مكانه. فإن مات السلطان بغير قتل اجتمع أهل الربط والحل فتشاورا فيمن يولونه الملك، حتى يتفق رأيهم على أحد فيقيمونه سلطاناً. ثم ذهبت الشحناء كلها فصاروا يتوارثون السلطة بإيصاء السلطان بها إلى من يختاره منهم، وكانوا قبل ذلك يأتيهم الباشا من عند الخليفة كل عام، فإذا تمت السنة. رجع إلى بلده ويحمل معه جميع ما في الخزنة من المال، فأضر ذلك بالدولة لكونهم يحتاجون إلى بقاء الأموال لديهم لمرتب الجند وتحصين البلاد وغير ذلك، وربما مات السلطان فيبقون فوضى بدون سلطان حتى يأتي الخبر عند السلطان، وهم يخافون من توثب العدو عليهم فكتبوا إلى السلطان يشكونه ذلك، فرضي منهم بالخطبة والسكة وفوض إليهم الأمر في تولية السلطان عليهم ولما أمر أمرهم واستقر قرارهم جعلوا قواعد على وفق قواعد السلطان الأعظم. وفرضوا على الناس المغارم شتاءً وصيفاً. وعينوا للجند عطاء مخصوصاً يتوصلون إليه بالتدريج ومن بلغ ذلك القدر المخصوص لم يكن أن يزاد عليه شيء جل أو قل، وضربوا عليهم البعوث تخرج في كل سنة أواسط إبريل إلى عمال الجباية فمنها من يرجع إلى الجزائر بعد أربعة

444