النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٢١٠

206

الثاني: نظام التسيير الديمقراطي المجتمع القبلي الأمازيغي

تتميز المجتمعات الأمازيغية التقليدية بشمال إفريقيا، بعدة نظم ديمقراطية للتسيير الجماعي عرفت بها منذ أقدم العصور، وهذه النظم التي تنبثق من التنظيم القبلي للمجتمع البربري، تعكس الطبيعة التي يتميز بها الأمازيغ من حب الإستقلال والحرية، وعدم الخضوع لسلطة مركزية مطلقة (1). والمجتمع الأمازيغي بقوم كغيره من المجتمعات التقليدية على الارتباط العشائري والقبلي، والسلطة فيه توكل إلى هيئات تمثيلية منتخبة، تضمن تحقيق المصالح المشتركة من جهة وتترك الحرية لكل هذه العشائر والقبائل في تسيير شؤونها الداخلية من جهة أخرى. ورغم التحولات الإجتماعية والإقتصادية التي طرأت على هذه المجتمعات فإن هذه النظم مازالت موجودة حتى الآن في التجمعات السكانية الأمازيغية المحافظة في المملكة المغربية والجزائر وليبيا، نظرا لارتباطها بحياة هذه الشعوب وتاريخها ووجدانها. فعند بني مزاب بقيت النظم العشائرية حتى اليوم باعتبارها تجسيدا للبنية الإجتماعية التقليدية .. الاطار الطبيعي لتنظيم المجتمع وتحديد اختياراته طبقا لتقاليد سياسية قديمة، تقوم على ما يمكن تسميته بالديمقراطية العشائرية البربرية".

وعليه فإن النظرية السياسية الإباضية في الحكم تأثرت الى حد كبير بالقواعد الدستورية المتعلقة بممارسة الحكم في المجتمع الأمازيغي. فلم يعد الإمام يحكم وحده بصفة منفردة باعتباره حامي الشرع كما كان في اغلب الدول الإسلامية القديمة. بل لا بد له أن يستعين بمجمو. عة من العلماء (حلقه العزابة)، وهذه الجماعة حتى تحوز على ثقة الشعب، يجب أن يراعى في تشكيلها تمثيل أغلب العشائر في البلدة، وعلى حلقه العزابة قبل اصدار التشريعات أن تستشير ممثلي العشائر من خلال "مجلس الأعيان، ولا تصدر هذه التشريعات الا بتوقيع من الطرفين الخ. وهكذا نجد أن النظام القبلي البربري يعد مصدرا ماديا جوهريا استمدت منه الهيئات العرفية القائمة في المجتمع المزابي، نظمها وقواعدها، وينصرف هذا الوصف خاصة الى النظم والهيئات العشائرية التنفيذية التي تعتبر تجسيدا للنظام القبلى الموجود في المجتمعات الأمازيغة الأخرى.

..

(1) أنظر: أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984، ص 104 حيث يقول: حويمتاز البربري بتعشق الحرية تعشقا، تجعله لا يكاد يحتمل أي سلطان إلا مكرها، إنما يحترم كل إحترام رجال العلم وكبار القبيلة ويخضع لهم طائعا مختار >> - دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج (1) ص د. محمد حدة: ضمانات المشتبة فيه وحقوق الدفاع من العهد البربري حتى الاستقلال، دار الهدى، عين مليلة الجزائر، 1991، الطبعة الأولى، ج (1)

ص 18

83