تطور الثورة الجزائرية في ناحية غرداية محمد عبد الحليم بيشي

تطور الثورة الجزائرية في ناحية غرداية

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

مواقع المعارك، وكذا إحصاءات الشهداء والمجاهدين، وسوف نتبين قيمة المقولة القائلة: بأن أهون شيء في الصحراء هو الجندي الفرنسي، وكذا المقولة القائلة بأن الرصاصة الواحدة في الصحراء تساوي المائة في الجبال.

هاته الحقيقة يقررها الرائد لخضر بورقعة حيث يقول: شاهدت عجبا؛ أرض تمتد طرف العين جرداء خالية، كان الثوار يحترقون بفحيحها صيفا وتلسعهم ببردها شتاءا، وليس لديهم ما يحتمون به عن أنظار العدو وهجماته شيء لا مغاور يختبئون فيها ولا صخورا يسندون إليها ظهورهم ولاشجرا ولا ماءا، إن الفرق قائم على أشده بين من يقاتل في الكهوف والغابات وبين الصخور والذي يقتل في العراء التام بين أعداء ثلاث: فرنسا والخونة وقسوة الطبيعة

1"

المبحث الأول: جذور العمل العسكري بالمنطقة.

تعود جذور العمل العسكري بالمنطقة إلى أزمنة بعيدة جدا، وقد تدعمت تلك الجذور بجملة خصائص طبيعية ونفسية وتاريخية ساعدت الثورة على البروز السريع في المنطقة التي كانت قساوتها عاملا إيجابيا وسلبيا في وقت واحد وأهم هاته الخصائص مايلي:

أ- الطبيعة البدوية للقبائل العربية بالمنطقة، فقد تميزت تلك الطبيعة بخصائص يتقاسمها البدو في العالم، مثل الأنفة والشجاعة وحب السير في الخلاء واعتناق السلاح، وكذا البنية القوية للأجسام ب الطبيعة النفسية المتمثلة في الأنفة وكره الضيم والظلم،2، وكذا بغض الحكم من غير ابن العم وهذا ما يجعل هاته القبائل تعيش ديمقراطية في الأخذ والرأي، وتنبذ في نفس الأمر الإستسلام للضغوط والعوائق ج- طبيعة الصحراء والخلاء الذي يجعل الإنسان ينشد الإستقلال والتجوال، ويرفض وضع القيود والحدود، وأيضا فإن قساوة الأرض والمناخ طبعت البدوي بخصائص الجمل، من التحمل والصبر

وطول النفس د- طبيعة التاريخ التي جعلت هاته القبائل تعيش استقلالا في سيادتها، فلم تكن خاضعة لحكم دولة من الدول المتعاقبة، وإنما عاشت سيادة شبه كاملة في حكم نفسها بنفسها، وفي السيطرة على هاته الصحراء الواسعة والتي كان يتقاسم النفوذ عليها شعبا التوارق والشعانبة.

وباجتماع هاته الخصائص السابقة وما ترتب عنها من سلوك اجتماعي وثقافة دينية رافضة للكفار تعود جذور المشاركة الشعبية القوية لقبائل الشعانبة في كل من الثورات التي عمت الصحراء في المنتصف الثانى من القرن التاسع عشر.

لخضر بورقعة، شاهد على اغتيال الثورة، ص 94 2 إبن خلدون، المقدمة. ص 116 - 117. -3 إسماعيل العربي، الصحراء الكبرى و شواطئها. ص 38.

-109 -