توثيق الأعيان الوقفية في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري: وقف سيدي بنور بن صالح، دراسة تطبيقية عيسى بن محمد بوراس

توثيق الأعيان الوقفية

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

الخاتمة الخاتمة

إن الأعيان الوقفية، أبديّة، وتتمتع بالحصانة والحماية الشرعية والقانونية، فالأنظمة والتشريعات والأيديولوجيات و … مهما كانت لا يمكن أن تلغيها أو تزيلها من الواقع، وهذا ما أثبته التاريخ والتشريع والتجارب التي مرت عليها الجزائر منذ قرون، حتى الملوك والأمراء في العهود الغابرة كانوا يوقفون أملاكهم خشيت أن يستولي عليها الحكام الذين يأتون من بعدهم، فهناك أوقاف في الجزائر عمرها أكثر من عشرة قرون، فالوقف له صفة التعبّد، مقرون بالإسلام، ومادامت هذا الدين هناك من يعتقد به فالأوقاف باقية، إلا إذا تركها أهلها كما حدث لبلاد الأندلس. ليس هناك تعارض بين وسائل توثيق الأعيان الوقفية الشرعية والقانونية كون هذا الأخير مستوحى أغلبه من الأول. فقانون الأوقاف عبارة عن تقنين للفقه الإسلامي مع إضافة اجتهادات ونوازل العصر والاستفادة من إيجابيات التقنين المعاصر، كالجانب الإجرائي مثل الشكل الرسمي للعقد والشهر العقاري، والشخصية المعنوية للوقف … وغيرها.

إلا أنّ الاختلاف بين أنواع العقود الواردة في المذكرة، فهو من حيث الجهة التي أصدرت الوثيقة الوقفية، فالعقد العرفي حرره الأفراد فيما بينهم دون تدخل أي جهة معتمدة، أما الإشهاد والعقد الشرعي فحررته المحكمة الشرعية، والتي أدمجت مع القضاء العادي بعد الاستقلال، أما العقد التوثيقي، فيحرره الموثق الضابط العمومي، والعقد الإداري يحرّره الموظف المخوّل لذلك أو ما يسمى بموثق الدولة، والعقد القضائي، هو الحكم القضائي النهائي الصادر عن القاضي عند الفصل في نزاع موضوعه ملك وقفي، وهناك الشهادة الرسمية للملك الوقفي القريبة درجة من

العقد الرسمي، والتي تصدرها مديرية الشؤون الدينية والأوقاف نيابة عن الوزارة الوصية. لقد أولى القانون الجزائري أهمية بالغة لمسألة إثبات الأملاك الوقفية وجردها وحمايتها، وصيانتها وحفظها من الضياع والإهمال والاستيلاء عليها، وهي المبررات الرئيسة والأهداف الأساسية التي ساهمت في إعطاء رؤية لصياغة تقنين الأوقاف، والذي جاء بقواعد متنوعة لحماية الأوقاف، بين آليات الإثبات ووسائلها وبين إجراءات الاستكشاف والجرد والحصر والتوثيق وهناك جوانب للحماية غير مباشرة مثل حماية القانون الدولي الخاص، استرجاع الأملاك الوقفية المؤممة، استرجاع الأوقاف الجزائرية خارج الوطن، الامتيازات الضريبية، عقود استثمار الأوقاف. كل هذه الأطر القانونية ساهمت في توفير ما يسمى بالحصانة الوقفية، غير أن بعض الأحكام قد تميزت بالغموض وعدم الانسجام أحيانا، مثال ذلك:

- عدم وجود نصوص تخدم فكرة الوقف بصفة خاصة في القانون المدني والقانون التجاري وقانون العقوبات، والذي يبقى الوقف مصطلح مبهم في قاموسها.

- العقود المحررة بموجب عقد شهرة لبعض الأشخاص وهي في الأصل أراضي وقفية، وكذا مشروع مسح الأراضي العام، هي نصوص سابقة لقانون الأوقاف فهي غير منسجمة مع هذا الأخير، فهناك تضارب وغموض قد يؤدي في النهاية إلى المساس بالأملاك الوقفية

وضياعها.

- استخراج الشهادة الرسمية للملك الوقفي من مديريات الأوقاف بعد شهادة الشهود، ما طبيعتها القانونية ومدى حجيتها أمام الغير هل هي شهادة قضائية أم عقد تصريحي مع عدم توفر

شروط العقود التصريحية فيها.

150