حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٩إنّ كلّ ما ذكرناه سابقاً يبرّر اختيار الخوارج موضوعاً للبحث. ففهم طبيعة هذه الحركة المعارضة وإدراك خصائصها ومميزاتها وتتبع تطوّرها على امتداد الحكم الأموي والتعرّف على الدور الذي لعبته خلال هذه المرحلة الهامة في تاريخ الدولة الإسلامية قد لا يستحق دراسة واحدة بل دراسات عديدة.
قمنا بتقسيم هذا البحث إلى ثلاثة فصول، خصصنا الفصل الأول منها لدراسة ظروف نشأة الحركة الخارجية وتتبع التطوّر الذي عرفته إلى حدود الفتنة الثانية. ولم تكن عودتنا في بداية هذا الفصل إلى جذور الحركة وتتبع مراحل نشأتها يهدفان إلى تقديم الجديد خصوصاً بعد صدور دراسة الأستاذ هشام جعيط الخاصة بالفتنة الكبرى، وإنما أردنا من خلالهما تمكين القارئ من تتبع الأحداث من بدايتها وفهم جوانب الحركة التي ارتبطت بهذه الحقبة
أو تأثرت بها. أما ما تبقى من هذا الفصل، فقد تتبعنا فيه تحرّكات الخوارج وأنشطتهم محاولين من خلالها الوقوف على أبرز التحوّلات التي طرأت على الحركة خصوصاً بعد وصول الأمويين إلى السلطة وتغير أسلوب الحكم وطريقة التعامل مع المعارضين. وقد جعلنا هذه المرحلة من تاريخ الخوارج في الفصل نفسه لأن الحركة حافظت فيها - رغم ما تعرّضت له من قمع - على وحدتها وانسجامها السياسي والفكري وهو ما فقدته مع اندلاع الفتنة الثانية. كانت سنوات الفتنة الثانية وما عرفته الحركة الخارجية خلالها من تحوّلات محور الفصل الثاني من البحث وقد خصصنا لهذه الفترة - رغم قصرها - فصلاً كاملاً لأهمية الأحداث التي وقعت خلالها وعمق تأثيرها على الحركة ففيها انقسم الخوارج وقامت بعض المجموعات بأكبر انتفاضات خارجية في تاريخ الدولة الإسلامية خلال القرن الأول
هجري.
ويعود اهتمامنا بالانقسام الذي خصصنا له الشطر الأوّل من هذا الفصل إلى ما يكتنف هذا الحدث من غموض في المصادر، وخاصة لما له من أهمية في التعرّف على واقع الحركة في تلك المرحلة وفهم ما طرأ عليها من تحوّلات في المرحلة اللاحقة. كما تتبعنا في هذا الفصل الانتفاضات الضخمة التي قامت بها بعض المجموعات الخارجية في سنوات الفتنة الثانية. ولئن طغى الجانب العسكري على دراسة هذه الانتفاضات، إلا أننا حاولنا قدر الإمكان الاهتمام بالجوانب السّياسية والاجتماعية والفكرية والتنظيمية وذلك لتقديم صور كاملة عن هذه المجموعات تساعدنا على فهم واقعها وخاصة الوقوف على أسباب هزيمتها. أما الفصل الثالث الأخير من البحث فقد تتبعنا فيه أنشطة الخوارج المختلفة بعد نهاية الفتنة الثانية وإخماد الانتفاضات الخارجية الكبرى. ولم يقتصر هذا الفصل على المجموعات الموجودة في العراق وما حوله، بل شمل كذلك تلك التي تكونت ونشطت في