تاريخ إفريقية والمغرب أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم (الرقيق القيرواني)

تاريخ إفريقية والمغرب

الجزء ١ · صفحة ٩٦

أخبار القضاة في أيامه

كان عبد الرحمن بن زياد بن أنعم من جلّة المحدّثين والعلماء المتقدمين، منسوباً إلى الزهد والورع، متفنناً في علم العربية والشعر، وكان يروى عن أبيه أبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، ويروى هو عن سفيان الثوري وأبي يوسف القاضى وكثير غيرهم. وولى القضاء بإفريقية، الأولى في أيام بني أمية، وولاه مروان بن محمد، ولما قدم على أبي جعفر مستنصراً على البربر ولاه القضاء، فبقى إلى أن توفى في أيام يزيد بن حاتم. وكان عبد الرحمن قد أسره الروم، ومضوا به إلى القسطنطينية، ثم أفتك فيمن أفتك من الأساري في ناحية المشرق، فكان يقول:

أسرت أنا وجماعة معى، فرفعنا إلى الطاغية، فبينما نحن في حَبْيه إذ غشيه عيد

،

فبعث إلينا بأصناف من الطعام، واتصل ذلك بامرأة الملك، وكانت تقية عنده فمزقت ثيابها، ونشرت شعرها و خمشت وجهها. وأقبلت إليه تقطر سما، وقالت: «العرب قتلت أبي وأخى وزوجى، وأنت تفعل بهم الذى رأيت! (فغضب وقال: «على بهم» فصرنا بين يديه سماطين، فأمر سيافه، فضرب عنق رجل رجل منا، حتى قُرب الأمر منى، فحركت شفتي وقلت: «الله ربي لا أشرك به شيئاً، فأبصر فعلى» فقال: «قدموا شماس العرب - يريد عالمها -، فقال لي: «نبينا - عليه السلام ـ أمرنا بها» قال: (وعيسى في الإنجيل) وأطلقنى ومن معى.

ودخل يوماً على أبي جعفر، فقال له: «يا بن أنعم، ألا تحمد الله الذي أراحك مما كنت فيه بباب مروان بن محمد» قال: «إما ما كنت أرى بباب مروان لا أرى اليوم شطره» قال: (فبكى لها أبو جعفر»، قال: (فما منعك أن ترفع ذلك إلينا وأنت تعلم أن قولك عندنا مقبول، قال: إني رأيت للسلطان سوقاً وإنما يرفع إلى كل سوق ما ينفق فيها»

قال: «فبكى لها أبو جعفر» ثم رفع رأسه وقال: (كأنك كرهت صحبتنا!»،