عُمَان الديمقراطية الإسلامية: تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث 1500-1970 حسين عبيد غانم غباش [دارس عن الإباضية]

عمان الديمقراطية الإسلامية لحسين غباش

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

أوتافي في سرّه. فبعد أن اعترف له بالطغيان الذي يمارسه عليه وعلى بلاده العملاءُ الإنكليزُ الهنودُ، أطلعه السلطان على نصّ اتفاقية سرّية موقعة مع الكولونيل روس، المقيم الإنكليزي في بوشهر، في 20 آذار (مارس) 1891. ويضيف التقرير أن السلطان لم يُخْفِ على السيد أوتافي أنه وقّع تحت التهديد ويقول السلطان في هذا الصدد:" ولكن استقلالي هو ما أتمسّك به، ولن تمس بريطانيا دولتي (11) لوريمر (ج. ج)، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 482.

ما دمتُ حيّاً … ولو أردت الحماية فبالتأكيد لن أتوجّه إلى الحكومة الإنكليزية، لقد تعلّمت من مثال زنجبار. لقد وقّعت تحت التهديد … وكنت مُستفرداً " (12) تلك هي، إذاً، الأسباب التي دفعت السلطان إلى قبول ما لا يُقبل، ولكنه كان حاسماً في موقفه تجاه بريطانيا. إلّا أن صحّة تقييم فيصل لاستقلاله يبقى موضع مساءلة، على الرغم من حرصه على حماية عُمان من السيطرة البريطانية الرسمية على الأقلّ. ذلك أن الوزن المعنوي والسياسي لهذا التعهّد لا يدع أية إمكانية، ولو افتراضية، لاستقلال عُمان أو سلطانها نفسه ولا لسيادتهما. لقد كان هذا التعهّد هزيمة سياسية لطموحات فيصل الاستقلالية. ويلخّص أوتافي، في تقرير آخر إلى وزارة الخارجية، في باريس، وضع عُمان السياسي إثر هذه الاتفاقية كما يلي:" لم يعد استقلال مسقط، بعد مثل هذه المعاهدة، سوى وهم " (13) وفيما يتعلّق بالوضع العامّ للخليج يضيف ما يلي:" لم يعد الخليج الفارسي سوى بحيرة إنكليزية؛ فعلى مدخله مسقط المملوكة سرّاً وفي وسطه البحرين المملوكة علناً " (14) يعتبر تعهد 1891 هذا، دون أي شكّ، أكبر انتصارٍ أحرزته بريطانيا في المنطقة بعد أول معاهدة (عام 1798) وبعد فصل زنجبار (عام 1861) كما يمثل النتيجة المنطقية للسياسة البريطانية وتتويجها. فبعد منعطف 1891 لم يعد بوسع عُمان أن تكون بلداً مستقلاً وسيّداً، مهما كانت مقاومة السلطان قوية. ولقد سبق كورزون ( Curzon)، نائب ملك الهند، أن شرح الموقف البريطاني من القضية العُمانية بصورة دقيقة لا تدع مجالاً للشكّ في مقال نشر (12) Aff.Etr.N.S.Mascate،vol.1،p.84

(13) Aff.Etr.N.S.Mascate،vol.1،p. 61 (14) Aff.Etr.N.S.Mascate،vol.1،p. 62 عام 1892 في جريدة التايمز، وأعادت نشره جريدة لو ديبا الفرنسية عام 1899، إذ يقول:" يمكن أن تُعدّ عُمان، بحقّ، تابعة لبريطانيا، فنحن نعطي معونة لرئيسها ونحن نملي سياستها … ولا ينبغي علينا التسامح مع أيّ تدخّل أجنبي. وليس لديّ، شخصياً، أي شكّ في أنه سيأتي يوم نرى فيه العلم البريطاني يرفرف فوق أسوار مسقط " (15) إن هذه الأقوال لا تحتاج إلى تعليق. إلّا أن الأحداث لم تجر كما كان الإنكليز يأملون، أو يتوقّعون. والتعهّد المرهق الذي فُرضَ على فيصل لم يُثْنِهِ عن موقفه التي بقيت معادية لبريطانيا. وقد تَرْجَمَ عن استياء السلطان، على أثر محاولات الهيمنة البريطانية، كَشْفُهُ عن التعهّد السرّي في عام 1891 لأوتافي. ثمّ منح الحكومة الفرنسية، عام 1893، مقراً ثابتاً لقنصليتها. وكان هذا المقرّ واحداً من أجمل بيوت مسقط، وقد أطلق عليه فيما بعد اسم " بيت فرنسا ". ومن جهة أخرى، لم يستجب

١٨٤ / ٢٩٩