عُمَان الديمقراطية الإسلامية: تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث 1500-1970 حسين عبيد غانم غباش [دارس عن الإباضية]

عمان الديمقراطية الإسلامية لحسين غباش

الجزء ١ · صفحة ٢٨١

لقد دخلت الديمقراطية، " ديمقراطية الشورى "، إلى عُمان مع المذهب الإباضي، أي مع الدين. إنّها إذاً روح الثقافة السياسية العُمانية، ومن ثم فالديمقراطية العُمانية القائمة على الانتخاب الحر للأئمة لا تمثل نموذجاً سياسياً فقط، بل هي، فوق ذلك، سلوك اجتماعي وثقافي وقيمي. وبفضل ممارستها الطويلة، أصبحت، بحقّ، تقليداً ثابتاً للمجتمع العُماني، بل قانوناً للحياة الجماعية وللدولة.

وعلى مر القرون، وبفضل هذه الديمقراطية استطاع العُمانيون تحقيق مبادئ العدل والمساواة، وكذلك السلام الأهلي والوحدة الوطنية. وفضلاً عن ذلك، أتاحت هذه الممارسة بلوغ صورة انسجام عالية بين الأمة وقيادتها. وهكذا، يستنتج، أن تطبيق الديمقراطية الإسلامية العُمانية ضَمِنَ استمرار نظام الإمامة، طوال أكثر من ألف عام، وبدوره ضمن نظام الإمامة استمرار هذه الديمقراطية.

وعلى الرغم من أن لمنصب الإمام، بصورة أساسية، صبغةً روحيةً، فإن وظائف الإمام لا تقتصر، أبداً، على الممارسات الدينية، بل تشمل كل شؤون الدولة السياسية والعسكرية والمالية. علماً أن الإمامة لم تكن حكراً على العلماء. فقد شغل هذا المنصب، في قسم كبير من تاريخ الإمامة العُماني، شخصيات وطنية مستقلة لا تنتمي إلى جماعة العلماء.

إن الحرية وسيادة الشعب هي في أساس الثقافة السياسية العُمانية. فسلطة الإمامة السياسية تقوم على مبدأ مشاركة الشعب بمجموعه في الحياة السياسية، وذلك على كل المستويات، المحلية والإدارية، من خلال ممثليه كالعلماء والشخصيات القبلية.

وكذلك قامت دولة الإمامة على مبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية،

على الرغم من أنه لا تمييزَ صريحاً بين الأثنين. ويجدر بنا أن نشير إلى أن العلماء مثلوا "مجلساً تشريعياً دائماً" طوال التاريخ الإمامي لعُمان. ومن جهة أخرى، فإن تفويض السلطة في مختلف المناطق إلى ولاة تساندهم مجالس إقليمية استشارية وقضاة مستقلون كان يعطي هذه المناطق استقلالا إدارياً واسعاً، ولم تكن هذه البنية اللامركزية للإمامة سوى التعبير الفعلي عن مبدأ مشاركة المواطنين

٢٨١ / ٢٩٩