عمان الديمقراطية الإسلامية لحسين غباش
الجزء ١ · صفحة ٢٨٣وهنا تبرز سمة أخرى من سمات هذه الديمقراطية الأصيلة.
وأخيراً، فقد كشف المجتمع العُماني، بمركباته القبلية، عن كونه منظماً وذا بناء متماسك. ولا ينبغي أن ننسى أن هذه القبائل، المتصفة بالنزوع الحاد إلى الحرية، أسهمت في توطيد لا مركزية نظام الإمامة، أي تأكيد الديمقراطية العُمانية.
وإذا أضفنا إلى هذه المركبات بنى اقتصاد مفتوح يستند، خاصة، إلى نشاط بحري هام، نتبين أن الحركة الإمامية الإباضية، لم تتسبب بأي ضرر على مستوى نمو البلاد، بل على العكس من ذلك فقد كانت عُمان، خلال مرحلة الإمامة، العكس الكامل. فثقافتها السياسية قائمة على مسؤولية المواطنين وقادتهم تجعل منها أمة ذات سيادة ومحترمة معاً، بالإضافة إلى كونها مستقرة ومسالمة.
إن الواقع الاستراتيجي الهام الذي ميّز البلاد وعكس نفسه على تاريخها، كان وراء كل الأطماع والاعتداءات الخارجية عليها. وواقع أن العُمانيين كانوا ملزمين بمواجهة تحديات شبه مستمرة والدفاع عن وطنهم، هذا الواقع ساهم بدوره في تأكيد الهوية الوطنية وغرس في الثقافة السياسية العُمانية مبادئ الحرية والاستقلال الوطني والسيادة.
ولكن بريطانيا توصلت، خلال القرن التاسع عشر، إلى تفتييت الوحدة العُمانية وشطب هذه الدولة الإسلامية الموحدة. كما عملت، خلال قرن ونصف القرن، على تهديم ثقافتها السياسية لتعيد رسم البلاد وتاريخها وفقاً لمقتضيات الاستعمار ومصالحه. وهكذا نجحت في السيطرة على المنطقة الساحلية وإلى تطويق نظام
الإمامة في الداخل. ولكن الثقافة العُمانية ذات البعد الروحي كانت أعمق من أن تُقتلع من جذورها.
*
مع نهاية إمامة الخليلي (1919 - 1954)، انتهت الإمامة كمؤسسة وكنظام سياسي. ولم تعد مؤسساتها التقليدية تجعل منها البديل التاريخي السابق ولم يعد دورها السياسي يلبي مقتضيات المجتمع