مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة: دراسة ونصوص محمد بن صالح ناصر

مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة

الجزء ١ · صفحة ٢

المغرب العربي الكبير في شعره

لا نحسب أن إطلاق لقب (شاعر المغرب العربي على مفدي زكرياء، هو من قبيل إطلاق التسميات والألقاب جزافا، أو هو من المحاولات المفتعلة لتصنيف الشعراء ياضفاء بعض العلامات المميزة لهم مبالغة أو ادعاء، فإن هذه التسمية في حقيقة أمرها، تعريف بالشاعر أكثر من كونها تشريفا له

واذا جاز أن يختلف النقاد والدارسون حول التشريف إن كان تقييما لشاعرية مفدي زكرياء، فلا أحسبهم يختلفون حول أحقيته بهذا التعريف الذي ينبثق من خلال أعماله الشعرية ليدل على صاحبه كما تدل القسمات والملامح الجسدية:

والنفسية، والعقلية، على النسبة الوثيقة الموجودة بين الابن وأبيه.

إن أهمية شعر مفدي زكرياء في هذا الاتجاه تكمن في تميزه الواضح عن غيره من الشعراء الذين عالجوا قضية المغرب الكبير، فقد نجد هذه القضية مطروحة عند هذا الشاعر أو ذاك، ولكن لا تعدو كونها خواطر سريعة وتلميحات عابرة تكتفي ببعض الأبيات في هذه القصيدة أو تلك، أما عند مفدي زكرياء فتغدو عقيدة راسخة تمتد جذورها في أعماق أعماله الشعرية ومبدأ سياسيا ناضل من أجل تحقيقه منذ يفاعته حتى آخر لحظات عمره، ومشاركة فعلية في المؤتمرات والملتقيات الوطنية، وتواجدا منفعلا عبر كل مراحل شعره الاستنهاضي والنضالي، والثوري، أصبحت معه هذه القضية فكرة محورية دار حولها شعره منذ سنة 1925 - حتى سنة 1977)

ومن هنا يعتبر شعره سجلا حافلا لتطورات الأحداث السياسية، والثقافية:

والاجتماعية، في المغرب الكبير، وصورة صادقة من تاريخه تنتفض بالمشاعر الطافحة

فرحا وترحا آمالا وآلاما، فقد استطاع زكرياء بشاعريته الملهمة أن يبرز من خلال اللهب المقدس) (1) (وإلياذة الجزائر (2) الوجه المشرف للجزائر الثائرة وأن

يرسم في

6

ظلال الزيتون) (3) الطلعة المشرقة لتونس عبر مراحل كفاحها، ويستلهم من (وحي الأطلس) (4) نضال المغرب الأقصى قبل الإستقلال وبعده.

خلال هذه الدراسة المتواضعة سنحاول استجلاء ملامح هذه القضية المصيرية ومن ونتبين من خلال شعر الشاعر مواقفه وآراءه، رؤاه وتطلعاته، على أن نكتفي هنا بدراسة القصائد التي ما تزال طي الدوريات الجزائرية والتونسية، لم تشملها دواوين الشاعر بالنشر، تفاديا للتكرار وسعيا الى الكشف عن انتاج مفدي زكرياء في فترة أخصب فترات عمره عطاء وشاعرية، وهي الفترة الممتدة ما بين (1925 - 1955)، ومن خلالها نشارك في إظهار جانب من جوانب شعرنا العربي في المغرب الكبير، تجاه قضية هامة ما فتئت أمنية غالية في حنايا شعبنا

تعد من

كانت البداية الحقيقية التي خطاها مفدي زكرياء في ميدان كتابة الشعر قصيدة وطنية عن (ثورة الريف) في سنة (1925) وهذه البداية تعد في حقيقة أمرها ذات

أن

دلالة وطنية هامة، فمن المعروف لدى متتبعي تاريخ النهضة في المغرب العربي ثورة الريف تحت زعامة الأمير عبد الكريم الخطابي ضد الاسبان من أبرز الثورات التي تمخضت عنها تطورات الأحداث العالمية بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت من أقوى ردود فعل الشعوب المضطهدة تجاه الاستعمار الغربي الاستيطاني، مما جعل الحركات الإصلاحية والوطنية في المغرب العربي تتضامن معها، وتتعاطف حولها تعاطفا قويا، وترى فيها صورة للصراع بين المغرب الاسلامي، والغرب المسيحي. فلم يكن من قبيل الصدفة اذا أن تكون أول قصيدة يدخل بها الشاعر مفدي زكرياء عالم الشهرة قصيدته الى الريفين) (5) التي وصف فيها مشاعره المتأججة تجاه ثورة الريف معبرا من خلال ذلك عن تطلعاته الوطنية، وإيمانه الراسخ بأن النضال المسلح هو الحل الوحيد لافتكاك الحقوق المغتصبة.

وبما أن مفدي زكرياء كان إبانها طالبا مدرسيا يتلقى علومه بتونس، فقد لقي

من الصحافة التونسية مجالا مشجعا لنشر قصيدته تلك، ووجد في بيئة تونس الثقافية المتفتحة طريقا الى الشهرة، ومساعدا قويا على السير قدما في هذا الطريق الوطني فان هذا الشاب اليافع الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره لم يتردد قط في نشر قصيدته المشار اليها بالجريدتين التونسيتين (لسان (الشعب) (6) و (الصواب) (7) بل

83 -

- 82 -