مذكرات من أعماق جزيرة زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٣٥في إحدى المحطات نزلنا عند أهل قرية غريبة الأطوار، فقد شعرت وأنا بينهم كأني قد انتقلت إلى حقبة زمنية وتاريخية أخرى ليست التي نعيشها الآن هذه القرية يمتاز أهلها ببساطة العيش وبدائيته ما لم أكن أتوقعه أن أجده في هذا المكان أو أن ألتقي به ذات يوم، رغم سماعي بوجود مثل هؤلاء الناس.
أما عن ديانتهم فكلهم يعتنقون الإسلام ومن الغريب أن القوم مع
كل هذه البساطة يعرفون للعلم والتعلم قيمتهما ولهما وجود في حياتهم؛ فقد ابتنوا لأبنائهم مدرسة متواضعة متمثلة في ثلاثة أقسام مبنية بشيء من الإسمنت والطين يتعلمون فيما مبادئ اللغة العربية ويحفظون قصار سور القرآن الكريم، وقد التقيت مع معلمهم هناك وهو شاب في
العشرينيات من عمره وتخاطبت معه عن كيفية سير، المدرسة وكان فهم يسكنون في أكواخ صغيرة مبنية بخشب وجريد أشجار جوز
الهند، وربما غيرها، ويرتدون أبسط الألبسة الساترة لعورات الإنسان،
تحف
يتكلم العربية بصعوبة كبيرة وقد أخذ دروسا هنا وهناك في زنجبار
ودار السلام، وسألته عن اسم المدرسة فقال أن اسمها المدرسة القادرية وأغلب أبنائهم يمشون بدون نعال ويعيشون هكذا جماعات جماعات نسبة إلى عبد القادر الجيلاني صاحب الطريقة الصوفية. بهم مختلف الأشجار والنباتات التي أقتلعوا بعضها ليبنوا مكانها هذه بعض مميزات هذه القبيلة وفعلا فإن لله في خلقه شؤونا واصلنا رحلتنا بعد أن ابتعنا تيسا من أحد المزارعين بالحي
بيوتهم ويضعوا رحالهم وحوائجهم،
كما امتاز هؤلاء القوم بارتفاع نسبة الإنجاب لديهم؛ فأذكر أنه ونحن بينهم جالسين اجتمع حولنا جمهرة من الأولاد الصغار الذين
قاصدين شاطئ البحر، وقد استوقفتنا مناظر رائعة البهاء من الأشجار
خرجوا لما شاهدونا من الأكواخ القريبة وممن كان يلعب ويمرح الباسقات التي غطت وجه السماء بكثافتها وجعلت العين تبتهج بالتحديق
بجوارنا.
إليها مليا. كما سلكنا طرقا وعرة ضيقة غير معبدة محفوفة بهذا الغطاء
النباتي إلى أن تراءى لنا اللون الأزرق للبحر والسماء، حيث يشعر جلسنا بينهم وتحاورنا مع بعض رجالهم وحاولت أن أعرف من الإنسان وكأنه خرج من نفق تباتي كان بداخله. خلالهم جوانب من حياتهم وعاداتهم وما ينطوي عليه مجتمعهم من أفكار ومعتقدات، فمما عرفته أنهم يمتازون بالتعدد في الزواج وهذا ما ولد هذا العدد المذهل من الأولاد، كما أن للمرأة عندهم دورا هاما في الأشجار وأمام مرأى البحر. وبذلك تتيح لي الأقدار أن تقف عيني أمام العمل فإلى جانب القيام بأعباء المنزل وتربية الأبناء فهي تتولى خدمة مشهد للمحيط الهندي ويستمتع جسدي بالسباحة في مياهه
الحقول وزرعها وجمع ثمارها، وقد شاهدت أكثر من مرة نساء يعملن داخل الحقول وبعضهن كن يحملن أبناء من فوق ظهورهن. أما الرجل فإن عمله إلى جانب الزراعة صيد السمك والتجارة فيه، فالسواحل قريبة منهم ومحيطة بهم.
وضعنا رحالنا وأنزلنا أمتعتنا واخترنا لأنفسنا مكانا تحت ظلال
مباشرة بعد ذلك التأمت الجماعة على هذا التيس المسكين وأودته مذبوحا ثم مسلوخا ثم مخرجا مكامن بطنه ثم مقطعا إربا إربا ثم محضرا للشواء على لهيب الفحم وتزامنا مع هذا العمل كان كل القوم يلتهمون أنواعا من المأكولات والفواكه التي اصطحبوها معهم بدون حساب ولا نظام.
67
66