ديوان خلجات إنسان ج1 عيسى أيوب الباروني

ديوان خلجات إنسان ج 1

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

إنني أغار منك … والغيرة مشروعة وليست ممنوعة. … لأنها متنفس الإنسان … الضعيف الغليان ....

أغار منك .. لأنك شاهدت التاريخ. . . وصنعت التاريخ. ورأيت وسمعت واحتضنت وابتلعت ولكني لم أر ولم أسمع ..

لم أر سوى الرفاق ولا سمعت شيئاً حتى الآنات.

لقد مر أمامك التاريخ في كبرياء دون أن تبذل أي جهد أو عناء وأنا تائه في أساطير اختلط فيها الحق بالباطل. والعالم بالجاهل. والحابل بالنابل فشتان بين من رأى وسمع .. وبين من بالفتات اقتنع .. لم أعرف إلا ما ظهر وقل ونذر. . .

ان انسيابك الأبدي ستكون له نهاية … فلا تفتر. … وإن. . . تاريخك الطويل الطويل. الذي ينافس طولك. . ستكون له نهاية ولا مفر وما هو إلا لمحة في تاريخ الكون. . . ولحظة من لحظات الزمن …

أما أنا فإنسان حاول أن يقرأ الماضي على صفحات مائك. ولكن الماء … ليس كالحجر …

فالأحجار رسالة من الماضي … متجمدة ثابتة. . . صامدة راسخة يتحدى أهوال الطبيعة وعاديات الزمن لتبلغ الأجيال ما نقش عليها. . .

أما أنت. أيها النيل. . . فإن ماءك متجدد وجار لأنه الحياة .. والحياة لا تقف أبداً والموت لا ينتظر أحداً. أيها النيل إنك غامض بقدر وضوحك وواضح بقدر غموضك يا منبع الأسرار أما آن لي أن أرفع الستار. يا نيل الأماجد … يا من احتضنت الفاسق والعابد والطيب والجاحد أما آن لي أن أسألك السير .. وخبر من

غبر …

ولكنك صامت وصامت. . . متبتل وقانت تجزل العطاء. وتبتلع السماء … وتشق الغبراء. . . في عزة وكبرياء لنحترم سكونك ولنركب سفينك … لنغن فوق مائك المنساب. أغنية الحب والشباب والراحة والعذاب .... أغاني الحياة .. التي تتحدى الممات .. ولنترك الماضي بخيره وشره … حلوه ومره … باطنه وظاهره … أوله وآخره. . . ولنعش لحظات من النشوة الغامرة في ربوعك

295

294