النشاط الثقافي في ليبيا من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر التركي أحمد مختار عمر

النشاط الثقافي في ليبيا

الجزء ١ · صفحة ٢٤٧

وعنصر

لا يمكن للمرء أن يتوقع اهتماما كبيرا بالدراسات اللغوية، كذلك الذي لاقته الدراسات الإسلامية. فالحافز الشخصي، وعامل التقرب إلى الله. التضحية بالجهد والمال كل أولئك موجود في الثانية دون الأولى. كذلك لا يمكن أن يبلغ الاهتمام بهذه الدرسات مبلغ الاهتمام بالأدب وفنونه، فالأدب من ناحية فن جميل يغري بالدرس ويدعو إلى الاستزادة. وهو من ناحية ثانية يعتمد أساساً على الموهبة والذوق الفني وليس على معاناة البحث ونصب الدرس وهو من ناحية ثالثة محل اهتمام الحكام والأمراء. وإما بصفتهم الرسمية في شكل خطب ورسائل ديوانية، وإما بصفتهم الشخصية طمعا في نيل مدح شاعر أو رغبة في تسجيل مجد شخصي. والشعراء من ناحيتهم يجيدون حين يصادفون أذنا صاغية ويشعرون اذا وجدوا عطفا وتشجيعا:

يسقط الطير حيث يلتقط الحب

(م) وتغشى منازل الكرماء

والدراسات اللغوية - إلى جانب هذا - دراسات شاقة عسيرة، تحتاج إلى صبر وجلد وطول معاناة. ومن ثم فهي لا تجد بين جمهور الناس رواجا، ولا يمكن أن تغري الا القلة القليلة من ذوي الجلد والقدرة على تحمل وعورة البحث وجفاف المادة، ومشاق الطريق.

وقد بدأت الدراسات اللغوية في المنطقة بداية متواضعة، وقام بها في أول الأمر مجموعة من اللغويين الوافدين سواء كانوا متخصصين في الدرس اللغوي أو في فروع أخرى تخدم الدرس اللغوي مثل الأدب ورواية الأشعار وتفسير القرآن. واستغرق تخريج لغويين مواطنين قرابة قرنين من الزمان. ومن أقدم من سمعنا بهم من اللغويين الذين وفدوا إلى المغرب الأدنى عالمان جليلان هما

241