الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥الجامع المحيح
في
YEANE
ENEL
النّعَمُ، فَقَالَ: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَين شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَين كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم). وَلَقَدْ بَينَ الرَّسُولُ خَمْسَ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ، وَوَصَّى الْمُسْلِمِينَ بِاغْتِنَامِهَا قَبْلَ زَوَالِهَا، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ المُسْلِمَ اللبِيبَ الفَطِنَ هُوَ الَّذِي يَعْتَنِمُ هَذِهِ النَّعَمَ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ وَ قَبْلَ فَوَاتِهَا، وَيَجْتَهِدُ فِي العِبَادَةِ وَالخَيْرَاتِ فِيهَا قَبْلَ ذَهَابِهَا … فَقَالَ: اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: فَهُوَ يَأْمُرُكَ لا بِاغْتِنَامِ خَمْسِ نِعَمِ مُهِمَّةٍ، وَكَسْبِ الْخَيْرِ وَالفَضْلِ وَالحَسَنَاتِ فِيهَا، قَبْلَ أَنْ تَزُولَ وَيَحُلُّ مَحَلَّهَا خَمْسُ حَالَاتِ يَتَضَاءَلُ فِيهَا سَعْيُ الإِنْسَانِ إِلَى الصَّالِحَاتِ، وَقَدْ يَنْعَدِمُ. شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ: فُعُمُرُ الإِنْسَانِ قَدْ يَقْصُرُ وَقَدْ يَطُولُ، وَأَهَمُ مَرْحَلَةٍ فِيهِ هِيَ مَرْحَلَةُ الشَّبَابِ، لأَنَّ مَرْحَلَةَ الطُّفُولَةِ وَمَرْحَلَةَ الشَّيْحُوحَةِ مَرْحَلَتَانِ ضَعِيفَتَانِ، يَعْجِرُ فِيهِمَا الإِنْسَانُ عَنْ القِيَامِ بِالكَثِيرِ مِنَ الوَاجِبَاتِ، وَالإِسْهَامِ فِي فِعْلِ الْخَيْرَاتِ … أَمَّا مَرْحَلَةُ الشَّبَابِ فَهِيَ مَرْحَلَةُ الإِقْدَامِ وَالقُوَّةِ، وَالطُّمُوحِ وَالفُتُوَّةِ، فَفِيهَا الْحَمَاسُ وَاحِدُ وَالنَّشَاطُ وَكَمَالَ
العقل
وَصِحتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ: كَمَا يَجِبُ عَلَيْكَ يَا بُنَيَّ أَنْ تَعْتَنِمَ وَقْتَ صِحْتِكَ، وَتَمَامَ عَافِيَتِكَ؛ لأَنَّ الْمَرَضِ يُعِيقُ عَنْ فِعْلِ الكَثِيرِ مِنَ الخَيْرَاتِ، وَالسَّعْيِ فِي المَكْرُمَاتِ، أَمَّا الصَّحَّةُ فَإِنَّهَا تَمْنَحُ الإِنْسَانَ القُوَّةَ وَالنَّشَاطَ لِذَلِكَ فَإِنَّ المُسْلِمَ اللبِيبَ هُوَ الذِي يَعْتَنِمُ صِحتَهُ وَعَافِيَتَهُ فَيُكْثِرُ مِنَ العِبَادَات كَالصَّلَاةِ وَالحَج وَالصَّيَامِ وَالجَهَادِ وَخِدْمَةِ الغَيْرِ وَعِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ: وَبِمَا أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِلْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فِي أَي وَقْتِ؛ فَإِنَّهُ مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ يَعْتَيمَ وَقْتَ غِنَاهُ وَثَرَائِهِ، فَيُعِينُ الفُقَرَاءَ، وَيُعِيلُ الْأَرَامِلَ، وَيُنْفِقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ والمَحْرُومِينَ، وَيَكْفُلُ اليَتَامَى، وَيَتَبَرَّعُ لِلْمَشاريع الخَيْرِيَّةِ كَبِنَاءِ المَسَاجِدِ والمدارس … فَفِي ذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ وَل
الجامع الصحيح
الميدان
وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ: وَلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الإِنْسَانِ بِنِعْمَةِ الوَقْتِ الوَاسِعِ وَالفَرَاغِ الكَبِيرِ، حَتى يَمْلأَهُ بِالْعِبَادَةِ، وَيَشْغَلَهُ بِالْعَمَلِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَيَسْتَفِيدَ بِهِ فِي طَلَبِ العِلْمِ … فَقَدْ يُشْغِلُهُ شَاغِلٌ فَيَضِيعُ كُلُّ ذَلِكَ الخَيْرِ، وَلَا يَجِدُ لِنَفْسِهِ مُتَسَعًا مِنَ الوَقْتِ لِيُقَدِّمَ شَيْئًا لَآخِرَتِهِ. وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ: كَذَلِكَ فَإِنَّ الحَيَاةَ يَا بُنَيَّ نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ مَنَحَهَا بَنِي آدَمَ لِكَيْ يَحْتَبِرَهُمْ فِيهَا، وَيَنْظُرَ أَيُّهُمْ أَحْسَنَ العَمَلَ وَاغْتَتَمَ النَّعَمَ، وَجَعَلَ حَيَاتَهُ فُرْصَةً لِلْقَوْزِ بِالطَّوَابِ، وَمَزْرَعَةً لِغَرْسِ الْمَكْرُمَاتِ، لأَنَّهُ حِينَمَا يَحِينُ أَجَلُ الإِنْسَانِ لَا يَنْفَعُهُ وَقْتَهَا عِبَادَةً وَلَا عَمَلٌ
ولا خير.
وَاعْلَمْ يَا وَلَدِي أَنَّ التَسْوِيفَ - وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الإِنْسَانُ: سَوْفَ أَفْعَلُ .. سَوْفَ أَفْعَلُ - هُوَ مِنْ عَادَاتِ الكُسَالَى المَعْرُورِينَ الذِينَ غَرَّهُمْ الشَّيْطَانُ فِي شَبَابِهِمْ وَصِحَتِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَفَرَاغِهِمْ وَحَيَاتِهِمْ، فَأَوْهَمَهُمْ بِطُولِ الأَمَلِ، وَزَيَّنَ لَهُمْ سُوءَ أَعْمَالِهِمْ، فَاطْمَأَتُوا إِلَى زَهْرَةِ الشَّبَابِ، وَتَمَامِ الصَّحَّةِ، وَلَذَّةِ الغِنى، وَسَعَةِ الوَقْتِ، وَطُولِ الْحَيَاةِ، فَلَمَّا ذَهَبَ كُلُّ ذَلِكَ عَضُّوا أَصَابِعَ النَّدَمِ عَلَى مَا فَاتَ مِنَ النَّعَمِ، وَلَكِنْ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ حِينَهَا.
وملك وبين الله