الجامع الصحيح لبراعم القرآن إسماعيل بن امحمد عبود

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٧

الجامع المجيح

بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشَ: وَقَدْ يَكُونُ سَاعِيًا إِلَى عَمَلِهِ، أَوْ مُسَافِرًا؛ فَإِذَا بِهِ يَعْطِسُ عَطَشَا بَالِغَا وَيَجْعَلُ يَبْحَثُ عَنْ بِرْكَةِ مَاءٍ، أَوْ عَيْنِ لِيُرْوِيَ عَطَشَهُ. فَوَجَدَ بِتْرًا فَنَزَلَ فِيهَا: وَيَبْدُو أَنَّهَا بِتْرٌ مَهْجُورَةٌ فِي وَسَطِ الْخَلَاءِ، لَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا دَلْوٌ لاسْتَعْمَلَهُ، وَلَمَا تَكَبَّدَ عَنَتَ النُّزُول والصُّعُود في البشر فَشَرِبَ وَخَرَجَ فَارْتَوَى وَانْتَشَى مِنْ مَاءِ البِكْرِ العَذْبِ حَيَّ ذَهَبَ عَنْهُ العَطَسُ ثُمَّ خَرَجَ. فإذا بكلب يَلْهَتْ، وَيَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَش ولَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنَ السير؛ وَجَدَ كَلْبًا يُوشِكُ عَلَى الهَلاكَ، يَلْهَتْ وَيَسِفُ التُّرَابَ، عَلَّهُ يَسُدُّ حَاجَتَهُ مِنَ العَطَشِ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ، فَأَنَّ لِلتَّرَابِ أَنْ يُرْوِيَ أَوْ يُشبِعَ.

فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الذِي بَلَغَني: فَلَمَّا رَأَىهُ بِهَذِهِ الحَالَةِ قَالَ: لَا بُدَّ وَأَنَّ هَذَا الكَلْبَ قَدْ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَسُ مِثْلَمَا اشْتَدَّ عَلَيَّ، حَيَّ بَلَغَ بِهِ الْأَمْرُ أَنْ يَأْكُلَ الثَّرَاب.

فَنَزَلَ السِّتْرَ فَمَلأَ حُقَّهُ بِالْمَاء: فَأَخَذَتْهُ الرَّحْمَةُ بِذَلِكَ الكَلْبِ، وَأَشْفَقَ عَلَيْهِ! فَلَمْ يَتَوَانَ وَلَمْ يَتَكَاسَلْ .. بَلْ نَزَلَ مُسْرِعًا مَرَّةً ثَانِيَةً إِلى البشرِ، غَيْرَ مُبَالَ بِعَنَاءِ النُّزُولِ وَالصُّعُودِ وَلَمَّا لَمْ يَجِدْ وعَاءً أَوْ دَلْوَاءِ فَإِنَّهُ مَلأَ حِذَاءَهُ بِالْمَاء!! فَأَمْسَكَهُ بِفِيهِ، فَطَلَعَ فَسَقَى الكَلْبَ: ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ حَبْلٌ، وَلَا مَنْ يُعِينُهُ عَلَى رَفْعِ الحِذَاء، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ أَمْسَكَهُ بِفَمِهِ، وَقَفَلَ صَاعِدًا، حَتَّى بَلَغَ أَعْلَى البيرِ، وَجَعَلَ يَسْقِي الكَلْبَ المِسْكِينَ حَتَّى ارْتَوَى. فَشَكَرَ اللهُ ذَلِكَ، وَغَفَرَ لَهُ .. !!: وَلَمَّا كَانَ الله وَ لا تَحْفَى عَنْهُ حَافِيَةٌ، فَإِنَّهُ نَظَرَ إِلَى الرَّجُلِ نَظْرَةَ شَكْرٍ وَثَوَابِ، فَحَمِدَ لَهُ حَسَنَتَهُ تِلْكَ، وَأَتَابَهُ وَغَفَرَ ذُنُوبَهُ.

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ لَأَجْرًا؟!: فَتَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ، وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ

الجامع المجيح

كان الله

إلَى قِصَّةِ الرَّجُلِ وَالكَلْبِ بِكُلِّ اهْتِمَامِ، وَمِمَّا زَادَ مِنْ إِعْجَابِهِمْ ثَوَابُ اللَّهِ الذِي أَثَابَ بِهِ الرَّجُلَ، وَكَانُوا يَظُنُّونَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عَمَلٌ بَسيط، لا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ الله وكل! وَلِذَلِكَ سَأَلُوا رَسُولَ: هَلْ نُجَازَى بِالْحُسْى وَالثَّواب إِذَا رَحِمْنَا حَيَوَانًا، أَوْ أَطْعَمْنَاهُ أَوْ سَقَيْنَاهُ أَوْ عَالَجْنَاهُ ..

فَقَالَ: فِي كُلِّ كَبدِ رَطْبَةٍ أَجْرٌ: فَأَجَابَهُمُ الرَّسُولُ وَوَجْهُهُ يَتَهَلل بشرًا، بأن الله ل مِنْ تَمَامِ كَرَمِهِ، وَبَالِغِ رَحْمَتِهِ أَنَّهُ يَرْحَمُ كُلَّ مَنْ يَرْحَمُ رُوحًا مِنَ الْأَزْوَاحِ، تَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ إِنْسَانًا أَمْ حَيَوَانَا!!، وَيُجْزِلُ الثَّوَابَ، وَيُضَاعِفُ الأُجُورَ .. !!

أسئلة؟

للفهم والمذاكرة

-

1 - هَلْ بِالإِمْكَان أَنْ تُعِيدَ لَنَا قِصَّةَ الرَّجُل وَالكَلْب؟

-

2

مَا هِيَ الْحِكْمَةُ الَّتِي اسْتَفَدْتَهَا

مِنَ القِصَّةِ؟

3 - مَاذَا كُنْتَ تَفْعَلُ لَوْ أَنَّكَ عَثَرْتَ فِي البُسْتَانِ عَلَى عُصْفُورٍ

مَكْسُور الجناح؟

4 - يَتَسَلَّى الكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ بحَبْسِ أَنْوَاعِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ فِي

الأَقْفَاصِ، فَهَلْ تَرَى ذَلِكَ رِفْقًا وَرَحْمَةً بِالْحَيَوَان؟

للحفظ

حمد الحديث النَّاسِعُ: [الرِّفْقُ بِالْحَيَوَان].

م قَالَ الله: وَمَا أَرْسَلْتَنكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء). حمد قَالَ الله وان: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَى (الأعراف).

مَوْعِظَةً وَنَصيحة

إنَّ التَّعَامُلَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ لَا يَجِبُ مَعَ

بني الإِنسَانِ فَقَطْ .. بَلْ يَلْزَمُ عَلَيْكَ أَنْ منطقة في الخير

معلمة التاميل ..

تَعْلَمَ أَنْ تَمَامَ الخُلُقِ الكَرِيم أَنْ تُحْسِنَ إِلَى

كُلِّ ذِي رُوحٍ يَشْعُرُ وَيُحِسُّ، كَمَا وَصَّى

بذلِكَ صَاحِبُ الخُلُقِ الكَرِيمِ مُحَمَّدٌ فَهَلْ وَعَيْت وَصِيَّتَهُ جَيْدًا؟

31

?