الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٥٣

واستطاع روماليزا أن يكتشف ثقبا كان ذلك المقاتل الألماني يسدد منها ضرباته، فسدد إليه طلقة من ذات الثقب فأرداه قتيلا. ورغم أن ذلك خفف الهجوم الألماني علي المقاتلين الأفارقة، إلا أن التفوق السافر للقوة الألمانية، أسفر في النهاية عن القضاء علي المقاومة. ولما رأي الزعيم مكواوا أن الوضع ميئوس منه، قال لروماليزا" لاجدوى من مواصلة القتال فانجو بنفسك من هذه الورطة، واتركنا ندبر أمرنا.

رد عليه روماليزا: لا. لا أستطيع أن أترككم أنتم المضيفون، وأنا ضيفكم. ولقد أحسنتم ضيافتي. ومن واجبي أن أقاتل، وأموت

معكم.

إلا أن الزعيم صمم علي رأيه، ولم يجد روماليزا مناصا من المغادرة. وجمع الزعيم إخوانه المقربين في الكوخ الذي كانوا يخزنون فيه الذخيرة، وأوقد فيه النار ونسف كل شئ نفسه والسلاح ورفاقه. وأرسى بذلك التقليد الهيهي بتفضيل الإنتحار

علي الإستسلام

وسنحت لي الفرصة بالعيش مع مجموعة من الهيهي كانوا معتقلين معي في سجن، دودوما، وعلمت أنهم رجال أهل لكل

الإحترام.

وحينما استقر الأمر للألمان في تنجانيقا، أرسلوا إلي سلطان زنجبار يطلبون تسليم روماليزا إلي تنجانيقا. واستدعى السلطان السيد خليفة بن سعيد، روماليزا، وأبلغه بالطلب الألماني، وقال له: "إنني لا أجبرك علي الذهاب إليهم، فأنت تعلم أنهم قد يقتلونك. وأنا أعلم أنني إن لم أسلمك إليهم، فإنهم سيقصفون هذه

المدينة من سفنهم الحربية. ومع ذلك، فإنني لن أجبرك علي تسليم نفسك إليهم إن لم تفعل ذلك بإرادتك.

لم يكن روماليزا بالرجل الذي يتردد حين يكون الخيار بين حماية نفسه، وحماية شعبه، أو بين حفظ نفسه وحفظ كرامته فاختار الذهاب إليهم، وسلم نفسه إليهم مختارا بلا حرس فاستقبلوه بدورهم وهم جنس مقدام بالحفاوة والاحترام. وقال له قائدهم تريد أن نرى بأعيننا الرجل الذي بلغت به المهارة في القنص حد القضاء علي جندينا من ذلك الثقب الصغير في الدرع الواقي لبندقيته الآلية. '

33

وأهدى الألمان إليه مسدسا موشى بالزخارف كوسام، قائلين له أنه هدية من قيصر ألمانيا، وتركوه يعود إلي بلاده حرا. ويحضرني هنا قول سيدنا عمر رضي الله عنه: احرص علي الموت توهب لك الحياة".

وإنني أتذكر جيدا جدتي موزة بنت خلفان شقيقة روماليزا، تلك العجوز الطيبة الورعة. ففي سالف الزمان كانت توجد عربات تتسع لشخص واحد ويجرها آدمي، آخر جيئ بها من الشرق الأقصى إلي زنجبار. وكان الأوربيون هم في الغالب من يستخدمها في التنقل داخل المدن. أما غيرهم فكان يستخدمها أحيانا إن كان مريضا أو مسن. . ورفضت جدتي بالمطلق أن تركب تلك العربة محتجة باستحالة تحويل آدمي إلي حيوان يحمل إنسانا مثله. واتخذت من والدي زوجا لابنتها من منطلق الثقة الكاملة فيه وفي ورعه، وتدينه بوصفه رجل دين وتلميذاً للعالم الورع الشيخ عبدالله باكثير.

103

102