العمارة والعمران الإباضي بوادي ميزاب
الجزء ١ · صفحة ٥الثلاثة التي أطلقها فى الاربعينات في صيغة أسئلة ثلاثة، العالم المعمارى الشهير، شارل ادوارد جومارى الملقب فيما بعد le) (carrisir لقد تساءل:
أولا: لماذا كان تقدمنا سمجا؟
ثانيا: لماذا أولئك الذين لا يزالون يملكون دينا فطريا انيقا يلهثون في الاخذ عنا ماهو أشد قبحا؟
ثالثا: أمقدور علينا ألا نصنع الانسجام والوفاق أبدا؟
مع
أسئلة ثلاثة عكست واقع الاربعينات وهي تعكس واقع التسعينات مع وجود فارق مهم، لا لصالحنا الاسف ولكن لصالح العالم المعاصر المتقدم. فهو الذى أصبح يأخذ عنا ماهو أصلح من عمارتنا، فأنشأ لها نماذج في كثير من بقاع العالم المتقدم، وعامتنا لاتزال تأخذ عنه النماذج السمجة من مكعبات ومستطيلات في الاتجاه العمودى، وشرفات ناشزة، ونوافذ زجاجية ضخمة لكنها في اغلب الاحيان مغلقة، وتراكيب من اسمنت مسلح وأصباغ زيتية
لقد كتمت الحضارة الغربية والشرقية أنفاسها قرونا طويلة، فهاهي الآن تحاول كتم أنفاس جدران بيوتنا بتقليدنا الاعمى، واقترحت علينا متنفسات اصطناعية من مكيفات ونوافذ ضخمة كاشفة في الاتجاهين، وأنستنا المتنفس الطبيعي للبيت الميزابي في اتجاه السماء كانت أعينه وبصائره مشدودة للسماء فقط. يقتبس منها نور الشمس وهو في الدهليز، ودفأها وهو جالس بفناء السطح السفلي شتاء، وبرودتها وهو ساهر بالسطح العلوى
يوم
صيفا، كما يستلهم منها قوانينه الحياتية المقررة في الكتاب والسنة، والمذهب الاباضي، فيمزجها عن تفهم وعقلانية وقدسية بعناصر الحياة المتوفرة في بيئته الصحراوية: الشمس، والهواء والتربة، والماء. أما الشمس والهواء فيحددان له اتجاهات المرافق المختلفة لبيته، وعلوه بكيفية تسمح للمتجاورين التمتع بالعنصرين على السواء، دون أن يكشف الجار على عورات جاره.
أما التربة بعناصرها والماء وما ينبت فقد اشتق منها المواد الأولية للبناء التي وفرت له الدفء في الشتاء والبرودة في الصيف. لقد كان المخطط الميزابي حيثما يخطط لمدينته أو بيته وما يستلزمانه من مرافق انما كان ملبيا لمتطلبات عقيدته وبيئته قبل أن يكون ملبيا لرغابته واحتياجاته الشخصية، لقد كان يخطط بفكر جماعي تلبية لمطالب جماعية، ولذلك امتازت عمارته بالانسجام والوفاق بين أشكالها ومضامنها، وبين قساوة وعداوة المحيط بعنصريه الطبيعي والبشرى، وبين الوسائل الطبيعية المستعملة لتكييف الاول وتعطيل فعالية الثاني بما أحدثت أسوار وأبراج ودهاليز وأنفاق وبيوت متداخلة، تتفتح الواحدة على الاخرى عند الضرورة. وأزقة ضيقة ملتوية، وآبار داخلية يعلو كل ذلك ما يسمى بلغة العصر قصر الحكومة أى المسجد في المدينة
الاسلامية.
من
وهكذا كانت تتجسد شخصية الميزابي في عمارته بما تعكسه من صلابة في العقيدة وليونة في المجاورة والمعاشرة، وجدية في
-7 -
- 6 -