سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٥٩

مقدمة

رحلات الباروني وأهدافها

د. سلطان بن خميس بن عيسى الناعبي (*)

إن الشيخ سليمان بن عبدالله الباروني قائد عظيم يستجمع العديد من الصفات الحميدة والخلال النادرة، وهو مثال رائع للرجال القلائل الذين يحملون في قلوبهم وعقولهم حب الوطن، يعملون من أجله ويضحون في سبيله، فلا غرو أن تتعدد رحلاته، وتكثر سفراته وتنقلاته، لذا قضى شطراً من عمره متنقلاً بين البلدان، مغترباً عن الأهل والأوطان.

وقد تنوعت مشاهد الحياة التي عاشها الباروني منذ لحظة ميلاده وحتى ساعة وفاته، وامتزجت بالآمال والآلام، وكلها مليئة بالوقفات التي تستلزم من الباحث التأمل والتفكير، وتقتضى الدراسة والنظر؛ لأنها تكشف عن شخصية مغامرة متمسكة بمبادئها وعقيدتها مناضلة في سبيل دينها ووطنها، ساعية نحو عزتها وكرامتها، باذلة ما لديها من أجل تحقيق أهدافها.

وتأتي هذه الورقة لتكشف اللثام عن جانب مهم من رحلاته التي ظل فيها بين وطنه الأم ليبيا وبين البلدان الأخرى ذهاباً وعودة لأسباب مختلفة

متنقلاً ولظروف متعددة.

إن دراسة الأحداث التاريخية للشخصيات البارزة تفيدنا كثيراً في التعرف على أبرز الملامح التي تتمتع بها، والتي تجعل من سيرتها مثلاً أعلى، وقدوة تحتذى للأجيال التي تنهل من معين تاريخها، وهذا بدوره يقودنا إلى سبر أغوار

(-)

د. سلطان بن خميس بن عيسى الناعبي مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية عُمان

تلك الشخصية، ومعرفة منجزاتها، والباروني شخصية فذّة ارتبطت بعلاقات واسعة مع العديد من القادة والزعماء، والساسة والعلماء في كثير من أنحاء العالم، وقد رحل إلى كثير من بقاع العالم العربي والإسلامي، واستقبله العديد من الملوك والساسة كسلطان العثمانيين، وشريف مكة، وخديوي مصر، وسلطان عُمان وإمامها، وملك العراق، وعندما نتحدث عن رحلات الباروني إنما نعرض إنجازاته وأعماله الثريَّة الحافلة بالعطاء الزاخر، ولعل مشروعه الكبير وهو " إنشاء الجامعة الإسلامية " لتوحيد كلمة المسلمين كان من أهم البواعث للقيام برحلاته في الأقطار العربية والإسلامية نصرة للدين، وجمعاً لكلمة المسلمين، وسعياً لتوحيد صفوفهم؛ وقد جسد هذا الباعث بأقواله وأعماله العظيمة التي قام بها من أجل تحقيق أهدافه النبيلة، مما جعل لرحلاته تأثيراً في حياته خاصة، وفي الحضارة العربية والإسلامية عامة، وقد بيّن بنفسه في رسالة بعثها جواباً لقائد جيش ووالي الدولة الإيطالية بطرابلس أثَرَ هذه الرحلات التي قام بها، فقال: " أدركت بالتجربة والسياحة في بلاد الله قيمة الإنسان الحر، ولذة حياته الهنيئة .. " (1).

وقد قمت بسرد أهم الأحداث التي صاحبت رحلاته مع تواريخها الزمنية مرتبة - حسب أقدميتها - من يوم ولادته وحتى تاريخ وفاته، بقدر الإمكان؛ وذلك لاعطاء القارئ تصوراً واضحاً عن مسيرة عطائه، وما اكتنفها من محن ومنح، وما شابها من سراء وضراء، وختمت الحديث عن حصيلة رحلاته بذكر إنجازاته وأعماله الجليلة التي قام بها أثناء تلك الرحلات

(1) سليمان الباروني باشا في أطوار حياته بقلم أبي اليقظان الحاج إبراهيم، الناشر: الدار العمانية، ج 1، ص 60

308

307