أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٥٢

والتدّابر، أو التّميّع والتّنكّر للخصوصية، بل يعلّمنا كيف نوظّف ما نملكه في التّنويع في الثّقافة، وفي الفكر، وأن نفرّق بين الاختلاف والخلاف. فما نمارسه نحن اليوم بعيد عن هذه النّظرة وهذا التّوجّه، وهو ما جرّأ أعداءنا على سحقنا والهيمنة علينا، لأنّنا بتنازعنا ذهبت ريحنا، وتشّتتنا وتبدّدت طاقاتنا، فاستغلّها أعداؤنا فسيطروا علينا.

قراءة فكر شيخنا يطلعنا على حقيقة مسؤولية الكاتب الدّينيّة والاجتماعيّة والتّاريخيّة، ويبيّن كيف يُتعامل مع الواقع المعيش، وعيا له وإدراكا، وتحليله وتقديم حلول ناجعة لمعالجته، ورسم الطّريق أمام الأجيال؛ باستشراف المستقبل، ويعلّم الكاتب كيف ينشط، ولا يعير للظّروف العصبية مهما تشتدّ، وللمعوّقات المثبّطة مهما تمتدّ، أيّ اهتمام، إلاّ بمقدار ما يحتاط لها: لكي يتغلّب عليها يقول خليل مطران:

هناك أُبيحٌ الشَّجو نفسًا منيعةً … على الضّيم مهما يَفْلُلِ الضَّيمُ من بَاسِي

مقاومة كلّ ذلك هو ما نفيده من نشاط أبي اليقظان، وهو ما نقرؤه في فكره، يقول الشّيخ عن الثّابت على المبادئ، المقاوم للخذلان هو: … ثابت كالطّود لا تزعزعه العواصف، ولا تضعه القواصف، اقتنع بمبدأ أو بعقيدة، أو انحاز إلى حزب أو مذهب، فإنّه يعضّ عليه بالنّواجذ، ويثبت عليه ثبات الرَّواسي، ويتفانى فيه بكلّ ما أوتي من قوّة مهما كلّفه ذلك من الضّحايا الغالية، ويتجلّى ثباته في جميع أحواله، فتراه ثابت الجنان، ثابت اللّسان، ثابت القدم، ثابت العمل، غير هلع، ولا متلجلج، ولا مضطرب ولا مرتبك، ولو أحدقت به الأخطار والأهوال.

وقد يبلغ به الثّبات أحيانا إلى العلّو والتّطّرف، وأحيانا إلى العشق والوله، والغرام والهيام، ولا يبالي في ذلك بما يلاقيه من قوارص اللّوم والعتاب. ولا تثنيه عنه قوّة المعارضة، ولا تؤثّر فيه سعاية الوشاة وإفكُ الخرّاصين، بل لا يزداد نحو ذلك إلاّ تعصّبا وتمسّكا، وهذا دليل على كمال الصّدق والإخلاص ومثانة الأخلاق، وهو محمود جدًّا، ما لم يخرج به إلى حدّ الجمود والثّقة العمياء والتّعصّب إلى الباطل.

وهذا الصّنف هو نواة الإصلاح وعمدة المصلحين، والعدّة التي يعوّل عليها المجاهدون، والكهف الذي يفزع إليه العاملون، ولكنّه قليل جداً في كلّ زمان ومكان، والكرام قليل.

٤٩ / ١٠٠