ترجمة ابن خلفون المزاتي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢إِلاَّ أَنَّ الذي تجمع عَلَيْهِ المصادر أَنَّهُ برع في الفقه والأصول، وَأَنَّهُ كان يمتاز بالمنهج العلميِّ الموضوعي، فـ«لا يضفي عَلَى كتب السابقين ثوب القداسة، ولا يرفعها إِلىَ مكان العصمة من الخطأ، وَإِنَّمَا كان ينتقدها نقد الخبير، فيُطري ما استجاد منها، وينتقد ما لم يَحُزْ رضاه»(1) . وكان واسع الأفق، مولعًا بالدراسات المقارنة، مهتمًّا بدارسة الآراء الفِقْهِيَّة لمختلف المذاهب الإِسلاَمِيَّة، مطَّلعا عَلَى كتب أهل الخلاف، وَرُبَّمَا اعتمد في ذَلِكَ عَلَى عصاميته، لأَنَّ البيئة التي وُجد فيها لم تكن في مستوى تقبُّل مثل هَذَا التفتُّح، وقد أَلِفت الأسلوبَ التقليديَّ، الذي يربط العالِم بمذهبه.
وقد جرَّ عليه هذا التفتُّح متاعب جمَّة ـ رغم ما عُرف عنه من دفاعه عن مذهبه بالحجَّة والدليل ـ إذ هَجَرهُ بعض الفقهاء وقتًا غير قصير، امتدَّ حوالي اثني عشر عاما، متَّهمين إِيَّاهُ بالاستهانة بكتب المذهب الإِبَاضِيِّ، والتهاون في التمسُّك بها، غير أَنَّهُم غيَّروا موقفهم منه آخر الأمر، واعترفوا بفضله، لَمَّا تبيَّن لهم مستنده وهدفه، وصدق منهجه، وخلوص نيته.
ثانيا - آثار الشيخ ابن خلفون:
أَمَّا عن آثاره فمِمَّا يؤسف له أَنَّ المصادر لا تشير إِلىَ أسماء تلاميذه، عَلَى الرغم من تأكيد بعض المُؤَرِّخِينَ عَلَى أَنَّهُ كان يدرِّس، وبشكل جَيِّد؛ إذ يشير الدرجيني إِلىَ هَذَا بقوله: «إنْ درَّسَ فلقَّن أحسن تلقين»(2) ، ويضيف الشيخ علي يحيى معمَّر ـ ودون أن يحيلنا عَلَى مصدره ـ أَنَّهُ «كان بارعا في الشرح والإيضاح عند التدريس، عذب الحديث، فكان طلاَّب العلم يتزاحمون عَلَى مجلسه»(3) . وَهَذَا ما لا نستبعده، لأمور منها:
(1) … علي معمَّر: الإِبَاضِيَّة في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، ج2/ص214.
(2) … الدرجيني: طبقات، 2/495.
(3) … معمَّر: المرجع السابق: ص213.