حياة النامي ومقالاته وأشعاره لمحمود الناكوع
الجزء ١ · صفحة ٨٣دماء العذراء، أو كما يعرفها أهل لالوت (ادمى ان تا قيارت) عنوان أسطورة طريفة المغزى عميقة الدلالة، بالغة الأثر، تأخذ عين المتأمل من فوق صخرة صماء في صدع من الجبل الممتد على الضفة الغربية لوادي (عين بانون) حيث يتجه جنوبا صوب (توده)
و في قمة الجبل و على صخوره الصلدة كانت تمتد نخلة سحوق ترتفع في غربة و وحدة غريبتين و كأنها شاهد تلك الأسطورة قد ارتبطها الزمن لترويها للأجيال. و إلى ناحية منها ينتشر لون أحمر قان في حمرة الدماء على تلك الصخرة الصماء، يتهام الناس إنها (دماء العذراء.)
و في مجرى وادي عين نالوت قد استبطت آبار عدة بين عميقة و أخرى قريبة كانت مرتاد عقائل البلدة في أيام الجمع، تحضر إحداهن ما اجتمع لها من ثياب و فرش و أغطية و غزل و صوف فتغسلها في إحدى تلك الآبار، فلت ترى حواليها في ذلك اليوم غير ما انتشر من تلك الفرش و الأثواب، و ما اجتمع من البنات و الأمهات…
و في حديث يتراوح بين الهمس الخافت، و الرواية الظاهرة تتناقل تلك الجموع النسائية أسطورة الموقع فترويها الأمهات إلى الفتيات و تتحدث بها العذارى بينهن كل مرة فتسرى في الجميع عبرة القصة عميقة مؤثرة، نافذة بالغة، و تستقر في القلوب تلك الحقيقة الكبيرة و هي ان الشرف أغلى من الحياة و أن التفريط في العرض عار لا ترفعه عن صاحبه السنون، و أن أهون ما يغسله عن من لحقه أن تزهق له الروح الغافلة و يسفح له الدم المصون…
و يستشهد الجميع بدم العذراء الماثل في ناحية الجبل، قد انتشر على تلك الصخرة الصلدة الشامخة، و قد اصطبغ عليها أثرا لا يحيى…!!!
و لا تحدد تلك الأسطورة هيئة ذلك الشاب الغيور و لا عمره، و لكن تسوقه جامد الأحاسيس عميق الفكرة، ماضي العزيمة، قد بيت في نفسه أمرا ذا بال و مضى له في صمت رهيب
رابط الجأش طويل صمته مطرق يعصره جرح عميق
ساقه الدهر و لم يحفل به في دروب مدلهمات تضيق
كلما قلب فيها فكره دله الفكر على نفس الطريق