مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

لقد لقي الباروني في مرحلته هذه نصبا، وعاش معيشة ضنكا، ومسّه اللغوب، ولم يجد لدى الحكام العرب ما يناسب منزلته كقائد عظيم، وما يليق بمقامه كمجاهد كبير، عاكسته الظروف وجرت الرياح بما لا يشتهي. ولو أن أولئك الحكام كانوا حكاما على الحقيقة لاستخلصوه لأنفسهم، ولقالوا له ما قال ملك مصر ليوسف عليه السلام: ((إنك اليوم لدينا مكين أمين))، ولكنهم كانوا كما قال أبو علي حسن بن رشيق المسيلي المشهور بالقيرواني:

كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

ألقاب مملكة في غير موضعها

لأنهم كانوا صنائع للأنجليز والفرنسيين -أعداء الباروني وأمثاله- ولا يمكن لمن تلك صفته أن يستخلص لنفسه رجلا كالباروني، أو يتخذه خليلا، أو يركن إليه.

إن الأمر الجدير بالملاحظة هو أن الباروني لم يغير –تحت ضغط الحاجة- مواقفه، ولم يبدل مبادئه، ولكنه تدرع بالصبر، واعتصم بحبل الله، واستمر على مبادئه المعادية للاستعمار، الدّاعية إلى الجهاد لطرده من دار الإسلام، الحاضة على الوحدة الإسلامية.. إلى أن رجعت نفسه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية سنة 1940م.

إن اللاّفت للنظر هو أن الشيخ أبا اليقظان كان -في الغالب- ينهي الحديث عن فكرة أو حادثة باستخلاص عبرة أو عبر منها، تذكيرا للعاقل، وتنبيها للغافل، وتحريكا للخامل، وإرشادا للعامل، لأن هدف أبي اليقظان هو أن يستفيد أبناء الأمة من سيرة الباروني في مواجهة أعدائهم، وتخطي العوثير التي تنصب في طريقهم، فالباروني -بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى- ليس بحاجة إلى نوح باك عليه أو ترنم شاد بفضله.

١٥٩ / ١٧٧