محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٢١ولو قدر لهم الإطلاع على ما كتب من مقالات ورسائل إذا لأضافوا إلى معرفتهم، عن الشيخ جانبا نيرا باهرا، ولاكتشفوا فيه أديبا بارعا، وكاتبا حاذقا.
والواقع أن اهتمام الشيخ بيوض بالأدب وتضلعه فيه جاء من كونه عالما، يجمع في شخصيته جوانب معرفية متعددة. ولكن اهتمامه وانقطاعه لتفسير كتاب الله هما اللذان جعلا الصورة المنطبعة في أذهان الناس عنه يطغى فيها هذا الجانب على الجوانب الأخرى في حين أن هذا الانقطاع نفسه لكتاب الله محصلة لازمة لهذا الجانب الأدبي.
فالمفسر البارع لا بد أن يكون متضلعا في اللغة العربية وآدابها، متزودا بزاد وفير من شعرها ونثرها، متذوقا فقهها وبلاغتها، مستوعبا حكمها وأمثالها، بل مطلعا على تاريخها وحضارتها. ورب مفسر خانه التوفيق وجانبه التعمق لا لشيء إلا لأنه لم يتزود بهذه العلوم الضرورية لتفسير كتاب الله، على أن الفقهاء الأعلام في كل المذاهب الإسلامية كانوا متضلعين في علوم اللغة بقدر تضلعهم في علوم الشريعة. فقد كانوا يدركون بحكم ممارستهم العملية واحتكاكهم بالنصوص الشرعية أن الأداة اللازمة للفتوى هي فهم اللغة فهما صحيحا، وأن الوسيلة الضرورية للمفسر هي أن يكون بارعا في فهم أسرار اللغة العربية، متمتعا بذائقة جمالية مرهفة للوقوف على روائعها البلاغية والإعجازية. ومن ثم ندرك كيف يستحيل الفصل بين هذه العلوم كلها لعلاقة التداخل والتكامل بينها.
وكل متتبع لتفسير الشيخ بيوض، يلحظ كيف كان الشيخ يهتم بالجانب اللغوي في تفسيره، وكيف كان يتمايل طربا وهو يحلل معنى بيت شعري، أو يوضح نكتة بلاغية، وذلك ما كان يجعله يقف وقفات متأنية متذوقا ومستخرجا جانب الإعجاز اللغوي والبلاغي من كلام رب العالمين.