محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٢٥٠وختامًا فهذه نبذة موجزة عن الظروف التي كانت تُحيط بمسيرة الشيخ بيُّوض خلال العهد الاستعماري، والتي كانت تحاصرها وتحاصره سواء منها الطبيعيَّة أو الاجتماعيَّة أو السياسيَّة، وقد كان بإمكانه الانتقال على أقاليم الحكم المدني كما فعل الكثيرون من دعاة الإصلاح حيث ميدان العمل أفسح، ومجال الحرِّيات أوسع، وقيود الرقابة أخفُّ، والاستعدادُ لتقبُّل الأفكار الإصلاحيَّة أكثر، ولكنَّه آثرَ البقاء في إقليمٍ صحراوي متحمِّلا المرابطة فيه والاستمرار في جهاده، وهو بين ماضغي الحكم العسكري وأنيابه ووسط أحابيل خصوم التجديد والإصلاح وأشراكهم، واثقا بالله وحِفظِه ونصرِه، ومقتنعا بأنَّه سيحمد غبَّ سراه ما دام عمله قد كان لوجه الله ولنصرة دينه.
ولم تتوقَّف مسيرته خلال الثورة لأنَّه كان يرى أنَّ الثورة لا تقتضي بالضرورة إيقاف المسيرة الإصلاحيَّة أو تعوق دعمها أو المساهمة فيها كما أنَّها لم تتوقَّف بعد الاستقال، لأنَّه كان يرى أنَّ استمرار المسيرة هو الجهاد الأكبر الذي عناه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعه من غزوة بدر، وقد كلَّفه هذا الاختيار ضُروبًا من الحصار الذي كان مضروبًا عليه وعلى مسيرته خلال العهد الاستعماري، بل كانت أشدَّ قسوة ومضاضة، فما ضعف واستكان بل واجهها بنفس العزيمة والجلَد، متأسِّيا في ذلك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وصحابته الكرام، والأئمَّة العظام.
وقد أمدَّ الله في عمره حتَّى شاهد ثمار غرسِه يانعةً وقطوفها دانية؛ من مساجد عامرة، ومدراس زاهرة ومعهد عامر وأجيالٍ تُساهم في مواصلة المسيرة بدون توقَّف أو كلل، وبهذا فإنَّ مسيرته لم تنقطع بموته لاشتمالها على الأعمال التي عناها - صلى الله عليه وسلم - بقوله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث…
رحمه الله وأثابه جزاء صبره وجهاده، وأسكنه فراديس جنانه بجوار الصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا.