محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥ومثَل الحقِّ والباطل - في هذه الحياة - كمثل الزبد والماء: فالباطل يطفو ويَهيج ويبدو رابيا، ولكنَّه في آخر المطاف خبثٌ؛ أمَّا الحقُّ قيظلُّ هادئاً ساكنا، وربَّما يحسبه بعضهم قد خنس وانزوى، أو مات وانطوى، ولكنَّه دوما هو المنتصر، وهو الباقي فوق سطح الأرض كالماء المستمدِّ حياته من عظمة الحقِّ تبارك وتعالى: ﴿فأمَّا الزبدُ فيذهبُ جُفآءً وأمَّا مَا ينفعُ الناسَ فيمكُثُ في الاَرضِ كذلكَ يضرِبُ اللهُ الاَمثالَ﴾ (سورة الرعد: 19).
ولطالما مرَّت على أمَّتنا ساعات ضبابية قزِّم فيها رموزها، واحتُفل فيها بالزعانيف من خُدَّاعها، ولكن سرعان ما يصفو الجوُّ بعد كدر، وتعود المياه إلى مجاريها: ﴿بل نقذف بالحقِّ على الباطِل فيدمغُه فإذا هو زاهقٌ﴾ (سورة).
وقد ابتُليت الجزائر بمثل هذه الظروف، فشَكَّك دعاةُ التغريب (المجاهدين، المغرضون…) وأذيالُ الصليب في حقيقة أعلام، صنعوا لهذه الأمَّة العزيزة مجدها، من أمثال: الأمير عبد القادر، والإمام ابن باديس، والشيخ أبي اليقظان، والشيخ الإبراهيمي، والشاعر مفدي زكرياء، والشيخ العقبي… وغيرهِم من العظماء كثير.
ولا ريب فقد نال الرسلُ - قبل هؤلاء - من الإجحاف والجحود والتكذيب ما لم ينله غيرهم، فاسمعوا إلى ربِّ العزَّة وهو يخاطب محمَّدا خير الرسل T قائلا: ﴿فإن كذَّبوكَ فقد كُذِّب رسلٌ من قبلِكَ، جآؤوا بالبيِّنات والزبر والكتاب المنير﴾(سورة آل عمران: 184) ويقول: ﴿ولقد كذِّبت رسل من قبلِكَ فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذُوا حتَّى أتاهُم نصرُنا، ولاَ مُبدِّل لكلماتِ اللهِ﴾(سورة الأنعام: 34).
ولقد نال الشيخ بيوض - كغيره - نصيبه من هذا التعتيم الحاقد، والعداء السافر - ولا يزال -، غير أنَّ التاريخ لن يعدم لحظاتٍ - هي المنعرج لصناعة الحضارات - تعود فيها الأمم إلى رموزها، عودة العطشان إلى الورود بعد الصدور، وعودة الحياة إلى الأنفس بعد الممات.