محاضرات مهرجان الشيخ إبراهيم بيوض (مادة خام) عز الدين مصطفى جلولي

محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام

الجزء ١ · صفحة ٣٠٨

وكما قلت سابقًا، فإننا نجد عند الشيخ عبد الحميد بن باديس نفس المنهج في التفسير عند ما نتصفَّح كتاب «مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير»، في وضوح العبارة والأسلوب العملي المفيد، وربط معاني الآية ومقاصدها بواقع الناس في حياتهم المعاصرة، انطلاقًا من المبدإ التشريعي القائل: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، واستحضارًا للأهداف العامَّة التي ترمي إليها الشريعة الإسلامية في مختلف قطاعات المجتمع، وليس الوقوف عند حالات منفردة، محدودة.

وتحقيق هذه الأهداف إنَّما يكون طبعًا بفضل الفهم الصحيح للنصوص، من طرف العلماء المختصِّين، وبواسطة الاجتهاد مِمَّن هو مؤهَّل لذلك.

وكنموذج لتوضيح هذه المقارنة،نلقي نظرة على تفيسر ابن باديس للآية:

﴿ إِنَّّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ الآية: 38.

فهو بعد الشرح اللغوي يحلِّل معاني الآية في ستِّ فقرات يضع لكلِّ فقرة عنوانا يضمِّنها معنًى جديدا لا ينتبه إليه إلاَّ أمثاله من العلماء العاملين، ويستخلص من خلال ذلك:

1. وعد الله حقٌّ وصدق في نُصرة المؤمنين، وأن يدفع عنهم كيد عدوِّهم.

2. ذلك الوعد إنَّما يتحقَّق عندما يلتزم المؤمنون بالصفات التي نسبت إليهم: الأمانة والإيمان والشكر لنعم الله.

3. فإذا عُدِمت هذه الصفة، أو خانوا الأمانة ولم يأخذوا بالأسباب استوجبوا غضب الله وعذابه.

4. توضيح معنى الخيانة في الأعمال وفي العقيدة، وأنه كلُّ عمل لا يحلُّ فهو خيانة حتَّى فيما نحقِّر من الأمور والأفعال …إلخ.

وهكذا فإنَّه لا يترك شاردة ولا واردة يمكن أن تتضمَّنها معاني الآية إلاَّ أوضحها ونبَّه إليها، فينتج عن ذلك ثراء عظيم لعملية التفسير ودروسه، يزوِّد القرَّاء والذين كانوا يحضرون الدروس بثروة كبيرة من الأفكار والمعاني النبيلة، ويزوِّدهم بثقافة غنيَّة حقًّا.

٣٠٨ / ٣٥٠