محاضرات مهرجان الشيخ إبراهيم بيوض (مادة خام) عز الدين مصطفى جلولي

محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام

الجزء ١ · صفحة ٣١١

والذي دعاه للترشُّح للمنصب الذي كان يتهيَّب منه كثيرٌ من العلماء هو استئناسه بقوة شخصيته وقوَّته في إحقاق الحقِّ وإبطال الباطل، من جهة، ومن جهة أخرى ليكون عملاً إضافيًّا لمهام التدريس والإصلاح الاجتماعي حسب رأيي.

المداخلة الثالثة:

أريد أن أضيف ميزةً أخلاقية نبيلة، وهي من أغرب البراهين التي قدَّمها الإمام للصداقة والمؤازرة والمواساة والأثرة ونكران الذات أمام الواجب، نُلخِّصه في مثالين اثنين:

ـ المثال الأول: ما حكاه الشيخ هو عن نفسه حيث قال: «لمَّا سمعت بقدوم الشيخ أبي إسحاق اطفيَّش إلى يزقن من منفاه في مصر، وقد سمح له الاستعمار بزيارة أسرته لمدةٍ قصيرة إثر وفاة قريبٍ له (لم أتذكَّر من هو) ولكن شريطة أن لا يتَّصل بأحدٍ، ولا يتَّصل به أحدٌ، هكذا كان "البرَّاح" ينبِّه الناس، ويضيف إنَّ الحاكم يقول من خالف ذلك فإنَّه سيُعرِّض نفسه لأقصى العقوبات».

وقد كان أبو إسحاق قد نُفيَ مرَّتين الأولى من الجزائر إلى تونس والثانية من تونس إلى مصر، وكتب عن ذلك صديقُه أبو اليقظان قصيدة تحت عنوان "نفي النفي إثبات" وذلك لمواساته ورفع معنوياته في المنفى، وجعله مثلاً في الوطنية والفداء، فما كان أيضًا من الإمام بيوض إلاَّ أن ضرب بتهديدات الحاكم عرض الحائط فنزع قيد الإقامة الجبرية في القرراة عن قدمه، فانطلق في سيارة جنديِّه المرحوم الحاج صالح الخياط، من القرارة إلى يزقن في جنح الظلام، وكانت الطريق آنذاك غير معبَّدة.

حتى إذا ما وصل مع طلوع الشمس أمام باب يزقن وجد الإمام صديقه واقفًا وحده فريدًا فقط بمعيَّة أحد أقاربه، كانا ينتظران ركوب حافلة النقل بين يزقن وغرداية، قدر ذلك الانتظار الشيخ بيوض ورفيقه فوفَّقهما الله لذلك.

فإذا بالشيخ بيوض ينادي صديقه ويختطفه منطلقًا عائدًا بمعيَّته إلى القرارة، والناس لا يزالون في منازلهم إلاَّ ما ندر.

٣١١ / ٣٥٠