رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٥٩عدت إلى مربع الصبا والطفولة، حيث درجت مع أمي، تطالعني الذكريات الحلوة والمرّة من كل جنبات بيتنا، وقد أصبح عشا للزوجية الهنيئة، تزيده رونقا وجمالا صيحات طفلتي الأولى "عائشة" وهي تحبو وتملأ الجو أنسا وحبورا، وقد ألحّ عليّ إحساسي العميق بواجبي نحو هذه الأسرة التي عانت طويلا من الحرمان والانتظار، سيما والدتي المرحومة، وكان هذا الإحساس يدفعني أن أبذل كلّ ما في وسعي للترفيه والتوسعة في الرزق، مما يرفع بعض الشيء من مستوى معيشتنا في قصد واعتدال، لا يخدش بكرامتي ولا يضطرني إلى الاستدانة أو السؤال، وبعد سنتين من الاستقرار رزقت بابنتي الثانية "باية"، فاستطعت براتبي الضيق أن أوفّر كلّ الضرورات اللازمة للبيت السعيد، ولم تكن أسرتي -بفضل الله- من ذلك النوع الذي لا يعرف إلاّ الاستهلاك، بل كانت تقدّر إمكانياتي في كلّ مطلب، ولا تبخل بجهدها أن تساعدني بما تملكه من الوسائل في تطوير البيت وتزيينه، ولم يكن في وسعي يومئذ أن أوفّر المرافق العصرية للبيت مثل الماء والكهرباء وقناة الصرف، غير أنّني بحسن التدبير تدرّجت في تحقيقها شيئا فشيئا، بعد سنتين من الاستقرار، وكانت والدتي -رحمة الله عليها- قد ساعدتني ببعض المال الذي حصلت عليه من إرث والدتها المرحومة بابا عدون عائشة عندما صفى أحفادها "آل بهون" تركة والديهم، بهون حاجو وصالح، فقمت ببعض التحسينات في مرافق الدار، فأصبحت وظيفيّة ممتازة بغرفة واسعة للنوم وصالون للاستقبال ومطبخ ومغسل عصري بقناة الصرف، كل ذلك بقصد واعتدال، دون أن أثقل كاهلي بالديون.