رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٨

وشاءت الأقدار أن تنفصم عرى هذا الثالوث المبارك، فما كان من والدي إلا أن انعزل بتجارته في عاصمة الجزائر، في دكان صغير بشارع "لالير" سابقا، فاستغنى واستقل بداره التي شيدها بنفس الشارع "عيسى وموسى"، واستقر بالبلد منصرفا لخدمة المجتمع مسؤولا عن عشيرة "أولاد باكة" لدى صديقه قائد البلد الرسمي يومئذ المرحوم: "أولاد حاجو الحاج إبراهيم بن بافو"، غير أن يد الزمان غدرت به، فعبث بماله ودكانه من كانوا محل الثقة والأمان عنده، فأصبح في أواخر عمره فقيرا معدما اضطر إلى بيع أغلب ما كان يملكه من الأصول، إلا الدويرة التي تركها لنا في نفس الشارع والتي استبدلها بداره التي شيدها بعرق جبينه للسيد بوصوفة عمر بن الحاج إبراهيم، لينفق من المبلغ الذي اتفق عليه للفارق الذي قومت به الداران.

وليس أقسى على الإنسان من إدبار الدنيا عنه بعد الإقبال، إذ أثر ذلك على صحته، وهو يناهز الستين من عمره في العشرينيات من القرن الماضي فلم يصح من ذهوله واكتئابه حتى وافاه أجله -رحمه الله- سنة 1932م.

وهكذا طويت صفحة هذا الوالد الحنون، ولم تنعم عيناي بنور وجهه، ولا تمتعت برقة حنانه إلا لسنتين ونصف، لم يبق في ذاكرتي من صورة شخصه الكريم شبح ولا خيال. وتروي والدتي عنه -رحمه الله- أنني كلما أقبلت عليه حبوا أو مشيا أخذني في حجره فيحتضنني باكيا وهو يقول: لقد جئتني يا بني في نهاية عمري، والله يحفظك ويرعاك. فرضي الله عنه وأرضاه.

٨ / ٢٥١