الدعاية إلى سبيل المؤمنين لأبي إسحاق اطفيش-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧القيل وما ذكروه من التعليل بالإشفاق على الضعيف بأن يضل بضلالات الفلاسفه ويعتقد اعتقادهم فهو تعليل لا يوجب التحريم لذلك العلم لكن نفس الضلالة ونفس الاعتقاد هو المحرم لا العلم
فأنت ترى ما يقوله الائمة الأعلام حملة الشريعة في هذا الفن الجليل الذي تبجح المغرور بذمه افتئاتا وغباوة اعتمادا على قول ابن السبكي إذ وافق هواه وهو لا ينهض حجة.
وكان من أساطين الفلاسفة المحقق المجتهد الإمام الكامل شمس الدين أبو يعقوب الوارجلاني(1) -رضي الله عنه- ويشهد بذلك
(1) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني -رضي الله عنه- أحد الائمة المجتهدين البارعين الذين جابوا الأقطار وسبروا أغوار الأمم وبحثوا في حقائق كتاب الله وفسروه، وتفسيره -رحمه الله -لم ينسج على منواله ذلك العصر مع أنه عصر التدوين والنبوغ، ذكر أنه في سبعين جزءا جمع فيه من العلوم ما لم يذكره غيره، غير أنه تلاشى في تلك الحروب الداخلية التي منيت بها الأمة الأسلامية حينا من الدهر وفتوح المغرب وترجمة رجال الإباضية، ذكر لنا أحد الأساتذة أنه اطلع عليه في كلية بأوروبا وأظن بألمانيا وكتاب الدليل في أصول الدين وغيرها من التآليف المنبئة عن مقدار تضلعه في العلوم، وكان من كبار المنجمين، قرأ بقرطبة ونبغ فيها في علوم اللسان والحديث والتنجيم والتفسير والفلسفة وغيرها من العلوم وعاد إلى وطنه وهو من العلماء العظماء والفلاسفة الأعلام الذين هم خصب القلوب ونور العقول، وكان معدودا عند علماء أوروبا في تراجم الرجال الأفريقيين الذين يشار إليهم بالبنان رحل إلى السودان إلى خط الاستواء لمشاهدة تلك الأمم والاطلاع على أحواله واكتشاف ذلك الإقليم الغميض والبحث عن اعتدال الليل والنهار، ولا جرم أنه العالم الوحيد الذي عنى بهذا الاكتشاف في القرن السادس، مما يدلنا على علو كعبه وسعة عقله، واعتناء المسلمين بالاكتشاف في القرون الأولى عكس ماما يتمشدق به الأوروبيون من اعتنائهم بالاكتشاف واجتلاء الحقائق دون المسلمين وهم لم يعتنقوا بذلك إلا منذ أربعة قرون تقريبا، ولم يكتشفوا الراب الذي يعرفه المسلمون ويقرؤونه في القرآن إلا في القرن التاسع عشر ولم يكتشفوا منطقة خط الاستواء إلا حوالي القرن السابع عشر وهكذا كان الفضل في إبانة الحقائق لعلماء المسلمين، وكان- رحمه الله- كيمياويا واغترف من سائر مناهل الفنون وفاز بالقسط الأوفر فحاز قصب السبق بين أقرانه توفي -رضي الله عنه- وأسكنه بحبوحة الفردوس في أواسط القرن السادس بمسقط رأسه جزاه الله عن العلم والإسلام أحسن جزاء ونفعنا بتآليفه.