تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٧

يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا} أي: لئن لم يفعل ذلك بنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾. وهي تقرأ على وجه آخر: ﴿لَئِن لَّمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا﴾ أي لئن لم ترحمنا يا ربنا، صراخ منسوب، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾. قالوا ذلك لما صنع موسى بالعجل ما صنع، فطلبوا التوبة، فأبى الله أن يقبل منهم إلا أن يقتلوا أنفسهم، فَغَلِظَ عليهم في المتاب. وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. أي إلى خالقكم ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ. . .﴾ إلى آخر الآية. [البقرة: 54].

(1/ 438)

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)

قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ أي حزينا. وقال بعضهم: الأسف شدة الغضب ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال مجاهد: مع أصحاب العجل.

﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ يعني الجنة ﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني بالذلة الجزية. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ أي لعبادتهم العجل. افتروا على الله إذ زعموا أن العجل إلَههم.

قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا﴾ أي من بعد تلك السيئات ﴿وَءَامَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

(1/ 439)

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)

قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغَضَبُ﴾ أي سكن ﴿أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ يعني الكتاب الذي نسخت منه التوراة ﴿هُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ والرهب الخوف. وقال بعضهم: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً﴾ قال:

إن موسى لما أخذ الألواح قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويسارعون في طاعة الله، رب فاجعلهم من أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال رب أني أجد في الألواح أمة هم الآخرون والسابقون يوم القيامة، أي الآخرون والسابقون في دخول الجنة، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها، وأجد قوماً يقرأون كتابهم نظراً، إذا رفعوه لم يحفظوا منه شيئاً ولم يعوه؛ فإن الله أعطى هذه الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الآدميين، قال: رب اجعلهم أمتي: قال: تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقتلون فضول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، رب فاجعلهم أمتي

٦٢٧ / ٢٬٠٨٣